شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٨٣ - باب فى معنى اسمه تعالى ٤٦ - الحكيم جل جلاله
باب فى معنى اسمه تعالى ٤٦- الحكيم[١] جل جلاله
قد مضى القول فى معنى الحكيم فى وصفه، و استقامة لفظ الحكمة فى معنى اسمه الحكم بما يغنى عن إعادته، و من حكمته فى عباده تخصيصه قوما بحكم السعادة من غير استحقاق و لا سبب، بل تعلق العلم القديم بإسعاده و سبق الحكم الأزلى بإيجاده، و خص قوما بطرده و إبعاده، و وضع قدره بين عباده من غير جرم سلف، و لا ذنب اقترف، بل حقت الكلمة عليه بشقاوته و نفذت المشيئة بحجب قلبه و قساوته، قال اللّه تعالى فى وصفه: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ[٢] و قال تعالى فى قصة بلعام بن باعورا: وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها[٣] ثم قال فى قصته بعد ما أتاح له من كرامته و ما أوهم فى
[١] -الحكيم: ذو الحكمة، و الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، و أجل الأشياء هو اللّه الّذي لا يعرف كنه معرفته غيره، فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذ أجل العلوم هو العلم الأزلى الدائم الّذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليه خفاء و شبهة، و لا يتصف بذلك إلا علم اللّه تعالى، و قد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات و يحكمها و يتقن صنعتها: حكيم، و كمال ذلك أيضا ليس إلا للّه تعالى، فهو الحكيم الحق.
[٢] -المائدة: ٤١.
[٣] -الأعراف: ١٧٦، و انظر قصته فى كتاب( من قصص القرآن الكريم و الحديث النبوى الشريف) للإمام ابن كثير- تحقيق طه عبد الرءوف سعد.