شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٣٣ - فصل لا تبديل لحكم الله تعالى
و اعلم أن الناس على أربعة أقسام: أصحاب السوابق، فتكون فكرتهم أبدا فيما سبق لهم من اللّه سبحانه، يعلمون أن الحكم الأزلى لا يتغير باكتساب العبد.
سمعت الدقاق يقول: سمعت بعضهم يقول: كان الواسطى، ;، يصيح ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: ما أصابك؟ فقال: سمعت البارحة رجلا يقول: أيا راهبى نجران ما فعلت هند؟ فقلت فى نفسى: ما الّذي سبق لك من اللّه تعالى فى الأزل؟.
و طائفة ثانية هم أصحاب العواقب يتفكرون فيما يختم به أمرهم، فإن الأمور بخواتيمها، و العاقبة مستورة، و لهذا قيل: لا يغرنكم صفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، و قيل: ظلال الأسنة تلوح من خلال المنة.
فكم من ربيع تتورد أشجاره و تظهر ثماره و أزهاره و وطن عليه أهله قلوبهم قلم يلبثوا أن أصابته جائحة سماوية فطاح و اضمحل، قال اللّه سبحانه: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ[١] و كم من مريد لاحت عليه أنوار الإرادة و ظهرت عليه آثار السعادة و انتشر صيته فى الآفاق و عقدت عليه الخناصر بالأطباق و ظنوا أنه من جملة أوليائه و أهل صفائه، فأبدل بالوحشة صفاؤه و بالغيبة ضياؤه، و أنشدوا:
|
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت |
و لم تخف سوء ما يأتى به القدر |
|
|
و سالمتك الليالى فاغتررت بها |
و عند صفو الليالى يحدث الكدر |
|
[١] -يونس: ٢٤.