شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢١٧ - فصل كيف يكون البسط و القبض
فصل: كيف يكون البسط و القبض:
فإذا كاشف الحق سبحانه عبدا بنعت جماله بسطه، و إذا كاشفه بوصف جلاله قبضه، فالقبض يوجب إيحاشه و البسط يوجب إيناسه، و اعلم أنه يرد العبد إلى أحوال بشريته فيقبضه حتى لا يطيق رده و يأخذه مرة عن نعوته فيجد لتحمل ما يرد عليه قوة و طاقة[١].
يحكى عن أبى عثمان الحيرى أنه كان عند أبى حفص أستاذه فمد يده إلى زبيب، فأخذ أبو حفص على حلقه و استرده منه، فلما سكن أبو حفص قال له أبو عثمان: يا أستاذ أنا أعلم أنه ليس للدنيا عندك حظ فكيف ضايقتنى فى زبيبة؟
فقال أبو حفص: من ذا يثق بقلب لا يملكه صاحبه.
و يحكى عن بعضهم أنه قال: كنت مع الخواص فى سفر فنزلنا تحت شجرة فجاء أسد فربض بقربنا، ففزعت فزعا شديدا و علوت الشجرة و قعدت على غصن إلى الصباح، من خوف الأسد، و نام الخواص و لم يحفل به، فلما كان الليلة الثانية نزلنا فى مسجد فنام الخواص فوقع على وجهه بقة فضج،
[١] -القابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم، و أوتى جوامع الكلم، فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء اللّه و نعمائه، و تارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال اللّه و كبريائه و فنون عذابه و بلائه و انتقامه من أعدائه، كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة، حيث ذكر لهم أن اللّه تعالى يقول لآدم يوم القيامة:
ابعث بعث النار، فيقول: كم؟ من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعين، فانكسرت قلوبهم حتى فتروا عن العبادة، فلما أصبح و رآهم على ما هم عليه من القبض و الفتور روّح قلوبهم و بسطهم، فذكر أنهم فى سائر الأمم قبلهم كشامة سوداء فى ثور أبيض.