شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٩٥ - باب فى معنى اسمه تعالى ٤٩ - الباعث جل جلاله
يجد بسببه ألما، قال اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ[١]، يحكى عن الربيع بن خيثم أنه قال: مررت بمكتب فرأيت صبيا يبكى، فقلت:
مم تبكى؟ فقال: غدا يوم الخميس أحتاج أن أعرض الدرس على المعلم و لست أحفظ، فقلت: كيف بى إذا كان يوم القيامة و أحاسب على ما أسلفت.
و إذا علم العبد أن اللّه سبحانه قال: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً[٢] و تحقق بأنه يطالبه بأفعاله و أعماله غدا داخله الروع و الفزع و الطمع شاء أو أبى.
يحكى عن أبى الحارث الأوسى أنه قال: كنت قاعدا فى بيتى فدقت عليّ جارية الباب فقلت من؟ فقالت: جارية تسترشد الطريق، فقلت: طريق الهرب أم طريق النجاة؟ فقالت: يا بطال، أو إلى الهرب طريق؟ ثم قالت: اقرأ عليّ شيئا من القرآن، فجرى على لسانى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَ جَحِيماً (١٢) وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً[٣] فصاحت و خرج روحها، فإذا عليها مسح من شعر، فوجدت فى جيبها رقعة مكتوب فيها: إذا مت فادفنونى فيها، فإن كان لى ثمّ قبول أبدلها اللّه سندسا و حريرا، و إن لم يكن فسحقا و بعدا.
و هكذا إذا علم العبد أن الآخرة هى دار القرار، علم أن النعيم الأكبر لا ينفع مع العاقبة الأليمة، و البلاء الشديد فى الدنيا لا يضر مع الخاتمة الجميلة.
يحكى عن بشر الحافى أنه كان يلتقط يوما الحثالة من الطريق، فجاء كلب يلتقط معه، و كان بشر يلتقط البقل و الكلب يلتقط العظام، فظهر لقمة خبز، فأراد بشر أن يأخذها فنبح عليه الكلب، فطرح بشر الخبز إليه و قال: إن كان عاقبتى إلى خير فلا يضرنى ما أنا فيه، و إن كان على وجه آخر فأنت خير منى.
[١] -البقرة: ٢٨١.
[٢] -القيامة: ٣٦.
[٣] -المزمل: ١٢، ١٣.