شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥٣ - فهرس الدراسة و المقدمات و أهم ما جاء بالهوامش
______________________________
فمحلة
العامة قلوبها محبوسة فى الجو لا تصعد، لأن الشهوات قد ثقلتها، و الهوى قد قيدها،
و قلوب المريدين فى سيرهم فى منازلهم أينما وقف فهو محله، و إنما قيده هواه، و
ثقله باقى شهواته، و قلوب الواصلين فى محلاتهم عند العرش، و قد قيدهم باقى أهوائهم
لا يصلون إلى مجالسه فى ملكه، و قلوب أهل الصفو من الواصلين، واصلة إليه فى
مجالسه، فذلك خالص النجوى، و صافى الذكر، و هذا الصنف هم الذين قال موسى:
«يا رب، أ قريب أناجيك أما بعيد فأناديك؟ قال: أنا جليس من ذكرنى» فالمجلس لهؤلاء.
فالذاكرون تباينت طبقاتهم لاختلاف الأحوال فى الذكر، فليس من أحد يذكر ربه إلا و بدوّ ذلك الذكر من ربه، و ذلك الذكر من الرب إذن للعبد فى الارتحال إليه.
فإذا ذكر اللّه مبتديا فإنما ذكره من ملك البهجة، فذاك شوق اللّه إلى عبده، ذكره ليهيج بذكره له من العبد ذكره، فيهيج شوقه إلى اللّه كلّ على قدره.
فالعامة لا تقدر مطالعة هذا و لا تمييزه و لا تفطن لما يتردد فى صدورهم من ذلك لأنهم فى المرج و الشجر الملتفة، و هى أشغال النفوس فى الصدور، و لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:
«تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فما أقبل عبد بقلبه على اللّه إلا أقبل اللّه بقلوب المؤمنين تفد إليه بالود و الرحمة، و كان اللّه بكل خير إليه أسرع».
فذكر اللّه دنوه من العبد، فدنوه على قدر مصير العبد إليه، و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم فيما روى عن ربه: «أنا مع عبدى ما تحركت بى شفتاه» (البيهقى- ابن حبان).
فكل ذاكر يرجع إليه من ذكره بما انتهى إليه، فمن انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذى الإحسان رجع إلى قلبه بحلاوة الرحمة و غليل الرأفة، و من انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر المن رجع إلى قلبه بحلاوة المحبة البارزة المحتظاة منها، و من انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر التدبير رجع إلى قلبه بحلاوة القربة، و من انتهى ذكره إلى محل خلص إلى القدرة رجع قلبه بحلاوة الفرح باللّه و حلاوة محبّة اللّه الباطنة، و هو الّذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه إذا أحب عبدا نادى: يا جبريل، إنى أحب فلانا فأحبوه، فينادى جبريل فى السماوات: إن اللّه قد أحب فلانا و رضى عنه فأحبوه» (مسلم).
فليس هذا الحب الموضوع فى هذا الحديث الحب العام لأن كل موحد يحبه ربه، و لم يعطه التوحيد و لا منّ به عليه إلا من حبه له.