شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٦ - الضّابط الثّالث فى الماهيّات
للبرهان الدّالّ على وجوب انتهاء السّلاسل المجتمعة الآحاد المترتّبة فى الوجود. بخلاف اللّوازم الاعتباريّة، ككون الاثنين نصف الأربعة و ثلث السّتّة و ربع الثّمانية، و هلمّ جرّا إلى غير النّهاية؛ و لأنّه لو لم ينته إلى لازم لا وسط له، لزم انحصار ما لا يتناهى بين حاصرين: الماهيّة و أىّ لازم فرض.
و اللاّزم البيّن: إمّا تامّ، و هو الّذي يمتنع رفعه فى العين و الذّهن، و إمّا ناقص يمتنع رفعه، و هو فى العين دون الذّهن، كعمى الأكمه، فإنّه يمكننا رفعه عنه فى الذّهن و تصوّره بصيرا دون العين. و إلى التّامّ أشار بقوله:
و اللاّزم التّامّ ما يجب نسبته إلى الحقيقة لذاتها كنسبة الزّوايا الثّلاث إلى المثلّث ، أى: كذى الزّوايا الثّلاث له ، فإنّها ممتنعة الرّفع فى الوهم؛ و ليس أنّ الفاعل جعل المثلّث ذا زوايا ثلاث، إذ لو كان كذا لكانت: الزّوايا الثّلاث، ممكنه اللّحوق و اللاّلحوق بالمثلّث، فكان يجوز تحقّق المثلّث دونها ، دون الزّوايا الثّلاث، و هو محال، لامتناع تحقّقه دونها،
فليس كونه ذا زوايا ثلاث بجعل جاعل، بل علّته هى نفس المثلّث لا غير. و إليه أشار بقوله: «لذاتها» ، أى لذات الحقيقة، لا لفاعل خارج. و هذا مذهب بعض الحكماء. و عند البعض: علّته علّة الحقيقة بتوسّطها. و هما صحيحان، لجواز إسناد المعلول إلى العلّة القربية و البعيدة (٢٤ . و على هذا يكون معنى كون اللاّزم لا بجعل جاعل أنّه ليس بفاعل مباين لهما، أى للحقيقة و علّتها، إذ بعض الصّفات يحتاج معهما إلى غيرهما، لا أنّه ليس بفاعل مطلقا.
و الذّاتىّ، كالحيوان للإنسان، يشارك اللاّزم فى هذا المعنى، لأنّه أيضا ليس بفاعل مباين للإنسان و علّته، لأنّ الّذي جعلهما إنسانا و مثلّثا جعلهما حيوانا و ذا الزّوايا، و هو محال.
و اللاّزم و الذّاتىّ، و إن اشتركا فى هذا، لكن لم يمتنع إسناد اللاّزم إلى الماهيّة، لتأخّره عنها، بخلاف الذّاتىّ، لتقدّمه عليها، فتعيّن إسناده إلى علّة الماهيّة.