شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٢٠ - حكومة أخرى فى مباحث تتعلّق بالهيولى و الصورة
لا يمكن تجرّدها عن الصّورة-إنّها [إن]تجرّدت إمّا أن تكون واحدة أو كثيرة، إذ لا خروج لموجود عنهما، و هما باطلان. لأنّها إن كانت كثيرة ، فالكثرة تستدعى مميّزا. و ذلك بالصّورة، و توابعها، كالمقدار و نحوه. و التّقدير تجرّدها عنها، هذا خلف؛ و إن كانت واحدة، و إليه الإشارة بقوله: و الوحدة إن اتّصفت بها الهيولى، يكون اقتضاء ، أى: يكون اقتضاؤها لها، لذاتها، و لا يمكن عليها التّكثّر أصلا . لأنّ ما بالذّات لا يزول، لكنّها تتكثّر بالصّور و الانفصالات، فلا تكون واحدة عند تجرّدها.
و إنّما قال: «و يقرب ممّا سبق» ، لأنّ مبنى الحجّة الأولى كان على القسمة و عدمها، و مبنى هذه على لازمهما، و هى الكثرة اللاّزمة للقسمة و الوحدة اللاّزمة لعدمها (١١١ . و لهذا قال:
فإنّ لقائل أن يقول: إنّ الوحدة صفة عقليّة تلزم من ضرورة عدم انقسامها ، انقسام الهيولى. و استحالة انقسامها إنّما هى لانتفاء شرط القسمة، و هو المقدار، كما سبق، فى جواب الحجّة الأولى، من أنّ الشّيء قد يمتنع لانتفاء شرطه. و على هذا لا يكون اتّصاف الهيولى بالوحدة لذاتها، ليمتنع عليها التّكثّر، بل لغيرها، و هو استحالة انقسامها، لانتفاء شرط القسمة.
و لمّا بيّنا أن ليس الجسم إلاّ المقدار فحسب، استغنينا عن البحث فى الهيولى ، لأنّه إنّما يحتاج إليه لو سلّم أنّ الجسم غير المقدار، على ما ذهب إليه المشّاءون . إلاّ أنّ الغرض فى إيراد هذه الحجج بيان ما فيها من السّهو.
ثمّ ، أى: بعد فراغ المشّائين من إثبات الصّورة الجسميّة، أثبتوا صورا أخرى، غير الجرميّة، و تسمّى بالصّور النّوعيّة و الطّبيعيّة ، فقالوا ، فى إثباتها الهيولى لا يكفيها فى وجودها مجرّد الصّورة الجسميّة، فإنّ الجسم المطلق لا يتصوّر وجوده، كما لا يتصوّر وجود الهيولى المجرّدة
إذ لو كان للجسم المطلق وجود ، و الجسم لا يخلو عن كونه ممتنعا عليه القسمة أى: الانفصال، كالأفلاك، أو ممكنا. مع أنّه يقبل ذلك و التّشكّل و تركه بسهولة،