شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٢٣ - الضّابط السّابع فى موادّ الأقيسة البرهانيّة
الأوّلىّ، نحو: «النّفى و الإثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان» ، قد يكون مشهورا، إذ المعتبر فى شهرتها تطابق الآراء عليها، لا مطابقتها لما عليه الأمر فى نفسه. فالمشهور قد يكون أوّليّا، أى: فطريّا، و قد لا يكون. فلهذا قال:
و المشهورات أيضا قد لا تكون فطريّة . و انّما قال: «أيضا» ليعلم أنّ «الوهميّات» أيضا قد لا تكون فطريّة، و أمثلته واضحة؛ و قد تكون فطريّة، كحكمه بأنّ جسما واحدا فى زمان واحد لا يكون فى مكانين، و كون هذا الحكم عقليّا لا ينافى كونه وهميّا، لأنّه قد يتّفق حكمهما، لكنّه يكون جزئيّا من حيث هو مدرك الوهم، لأنّه لا يدرك إلاّ كذلك، و كليّا من حيث هو مدرك العقل.
فمنه ، أى: من المشهور الّذي هو غير فطرىّ ، ما يبيّن بالحجّة، كحكمنا بأنّ الجهل قبيح، و منها ، أى: و من المشهورات، باطل ، كقولهم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . إن لم يؤوّل بأنّ نصرة الظّالم كفّه عن الظّلم، و إلاّ لكان حقّا، لا باطلا. و قد يكون الأوّلىّ مشهورا أيضا من حيث عموم الاعتراف به، لا من حيث كونه حقّا و إن كان سبب الشّهرة و عموم الاعتراف به ذلك، كقولنا: «الضّدّان لا يجتمعان» ، بأنّه أوّلىّ و مشهور باعتبارين.
و الثّالث: «المقبولات» ، و هى قضايا تؤخذ عن شخص يعتقد فيه، إمّا لأمر سماوىّ أو مزيد عقل و دين، كالمأخوذات من أفاضل السّلف و أماثل الخلف [٦٢]، و هو المراد من قوله : و من القضايا ما قبل أيضا عمّن يحسن به الظّنّ.
و الرّابع: «المخيّلات» ، و هى قضايا تؤثّر فى النّفس حالة الورود عليها تأثيرا عجيبا، من قبض و بسط، صادقة كانت أو كاذبة، كقولك فى ترغيب شرب الخمر: «إنّها ياقوتيّة سيّالة» ، و فى تنفير تناول العسل «إنّه مرّة مقيّئة» ، فترغب النّفس فى الأوّل و تنفر عن الثّاني. و إليه أشار بقوله:
و من القضايا ما يؤثّر لا بتصديق ، و فى أكثر النّسخ: «ما لا يؤثّر بتصديق» ، بل بقبض و بسط، و سميّت «المخيّلات» ، كحكمك بأنّ «العسل مرّة مهوّعة» . و إنّما لم يقل فى المقبولات: «و سميّت بها» ، لأنّ قوله: «و من القضايا ما قبل» يدلّ على