شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٧٢ - فصل فى بيان التّناسخ
فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلاَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولىٰ وَ وَقٰاهُمْ عَذٰابَ اَلْجَحِيمِ» ، (الدّخان،٥٦ ، لاستحالة انتقال النّفوس إلى الحيوانات المعذّبة الّتي هى الجحيم، لغلبة الأخلاق المرضيّة و الهيئات المحمودة عليها، و إذا لم ينتقل نفوسهم بعد المفارقة إلى أبدان الحيوانات فلا يذوقون في الدّنيا إلاّ الموتة الأولى، و هى مفارقتهم عن الأبدان الإنسانيّة.
و غير ذلك ، كقوله تعالى: «رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْهٰا فَإِنْ عُدْنٰا فَإِنّٰا ظٰالِمُونَ» (المؤمنون، ١٠٧ ، و قوله تعالى: «وَ قٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا» (فصّلت،٢١ ، و قوله تعالى: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ» (النور،٢٤ ، يعنى: أنّ يد الكلب مثلا و رجله و لسانه، أعنى صوته الّذي هو بواسطة لسانه، يشهد بعمله السّيئ الّذي هو الشّرّ، و كذا غيره من الحيوانات تشهد أعضاؤها بأفعالها السّيّئة.
و هذا الآيات على كثرتها ليس فيها شيء يصلح لأن يكون مرجّحا لرأى التّناسخيّة، لأنّها رموز و أسرار إلهيّة، و لها محامل مذكورة فى كتب التّفسير، تخرجها عن صلوح كونها متمسّكا لهم، فليطالع التّفاسير من أراد الاطّلاع عليها.
و صغى ، أى مال ، أكثر الحكماء إلى هذا ، أى التّناسخ، حتّى أنّ أرسطو قد نقل عنه: أنّه رجع، عن رأيه فى ابطال التّناسخ، إلى رأى استاذه أفلاطن، و فى المشهور فى كتبه منع التّناسخ، لمصلحة سياسيّة، أو كان نظره أدّاه إلى ذلك، فجوّز التّناسخ بعد ما كان منعه.
إلاّ أنّ الجميع متّفقون على خلاص الأنوار المدبّرة الطّاهرة ، عن نجاسات الجهل و الأخلاق السّيّئة، المتحلّية بالعلوم الحقيقية و الشّيم المرضيّة إلى عالم النّور دون النّقل ، لأنّه إنّما كان للتّطهير و قد حصل . و نحن نذكر بعد هذا ما يقتضيه ذوق حكمة الإشراق ، ذوق أصحاب الكشف و التّحقيق و أرباب البحث و التّدقيق.
و اعلم أنّه لمّا أراد أن يتكلّم فى الفصل التّالى لهذا الفصل على أحوال الكاملين و السّعداء بعد المفارقة، قدّم عليه البرهان على بقاء النّفس بعد المفارقة، لأنّ بقائها على الأحوال الفاضلة مبنىّ على أصل بقائها، فلذلك شرع فيه قائلا: