شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٩٠ - حكومة فى الاعتبارات العقليّة
فمجموع الأربعيّة ليس له محلّ غير العقل ، لتركّبها من الوحدات الّتي لا وجود لمجموعها إلاّ فيه. إذ على هذا التّقدير لكلّ وحدة محلّ خارجىّ هو الشّخص الّذي قامت به دون مجموعها ، إذ ليس فى كلّ واحد من الأربعيّة، و لا شيء منها؛ فليست على هذا التّقدير أيضا فى غير العقل. و إذا كان العدد ممّا يعتبره العقل، فظاهر أنّ الذّهن إذا جمع واحدا فى الشّرق إلى آخر فى الغرب، فيلاحظ الاثنينيّة ، لأنّه المعتبر و الملاحظ للاثنينيّة و الأربعيّة و غيرهما.
و إذا رأى الإنسان جماعة كثيرة ، سواء كانت من نوع واحد أولا ، أخذ منهم ثلاثة و أربعة و خمسة، بحسب ما يقع النّظر إليه فيه بالاجتماع . أى: مع الاجتماع، لأنّه لو لم يعتبر فيما وقع إليه النّظر اجتماعا، لم يكن ما أخذ منهم ثلاثة و لا غيرها. و ليس اعتبار الذّهن للأعداد موقوفا على تعقّل أمور خارجيّة و اعتبار كثرة مجتمعة منها، بل قد يعتبر العدد فى الأمور الاعتباريّة حتّى فى نفس الأعداد. و إليه الإشارة بقوله: و يأخذ أيضا فى الأعداد مائة و مئات و عشرة و عشرات و نحوهما . و فى بعض النّسخ: «و نحوها» .
و اعلم أنّ الإمكان للشىء متقدّم على وجوده ، وجود ذلك الشّيء، و هو الممكن فى العقل. لأنّ وجود الممكن معلّل بإمكانه، فيقال: «إنّما وجد لإمكانه» ، و لا يقال: «إنّما أمكن لوجدانه» ، و كلّ ما علل بشيء يجب تأخّره عنه، فوجود الممكن متأخّر عن إمكانه، بل إمكانه سابق على وجوده، كما قلنا. و إليه الإشارة بقوله:
فإنّ الممكنات تكون ممكنة، ثمّ توجد. و لا يصحّ أن يقال إنّها توجد ثم تصير ممكنة. و الإمكان بمفهوم واحد يقع على المختلفات . و ما كان كذلك لا يكون نفس شيء من تلك المختلفات بالماهيّة، و إلاّ لما وقع بمفهوم واحد على غيره، بل يكون أمرا معقولا أعمّ من كلّ منها.
ثمّ هو، أى: الإمكان، عرضىّ للماهيّة ، إذ لو كان ذاتيّا لما أمكن تعقّلها دونه، و توصف به الماهيّة ، و هو ظاهر. و لأنّ وصف الشّيء قائم به، لاستحالة وصفه بما لم يقم به أو بما هو قائم بنفسه، لاستحالة أن ينطبع فى غيره، إذ لا بدّ فى الحلول من