انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - الثالث الميتة
فلم يبق إلّا رواية البزنطي الدالّة على جواز الاستصباح بما يقطع من أليات الغنم، و من المعلوم أنّها لا تقاوم ما دلّ على الحرمة من جهات شتّى:
أوّلا: فلأنّها معرض عنها، فليست بحجّة في نفسها.
و ثانيا: إنّ أدلّة الحرمة أشهر رواية و فتوى، و إن أبيت إلّا عن حجيّتها و إمكان الأخذ بها، فلا أقل من أنّها أخصّ منها، فتخصّص بها، فلا يبقى مجال لنا في غير موردها، و لنعم ما قاله ابن إدريس بعد إيراد خبر البزنطي: «إنّه لا يلتفت إلى هذا الحديث فانّه من نوادر الأخبار، و الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها بكلّ حال إلّا أكلها للمضطرّ» [١].
و قد يتوهّم إمكان الجمع بينهما بطرق اخرى:
١- الجمع بالحمل على الكراهة كما يظهر من بعض أعاظم العصر [٢]. و فيه إنّ هذا الجمع و إن كان معمولا بينهم في الفقه بين دليل المنع و دليل الترخيص، إلّا أنّ لسان دليل المنع هنا يأبى عنه، للاستنكار الشديد الوارد في قضية سودة بنت زمعة، و لو كان ذلك جائزا لما أنكره عليهم كذلك، و يؤيّده إعراض الأصحاب عن هذا الجمع هنا مع قولهم به في غير المقام.
٢- حمل الروايات على صورة التلويث، و أنت خبير بأنّ التلويث في جميع موارده قهري، مضافا إلى أنّه ليس أمرا محرّما، و قد صرّح في رواية أبي القاسم الصيقل بالتلويث.
٣- حمل روايات المجوّزة على التقيّة.
و فيه أنّك عرفت ذهاب مشهور علماء العامّة إلى الحرمة.
٤- حمل الأخبار المجوّزة على ما لا تحلّه الحياة كالأصواف و الإنفحة و غيرها.
و فيه إنّه مخالف لصريح بعض الأخبار المجوّزة كما عرفت، للتصريح فيها بالجلود و الأليات.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم بيعها، و من الواضح أنّ الانتفاع بها إذا كان حراما (كما
[١]. الحدائق الناضرة، ج ١٨، ص ٧٩.
[٢]. مصباح الفقاهة، ج ١، ص ٦٩.