انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - المقام الخامس الكلام في التورية
و ما يحكى عن سعيد بن جبير قال في جواب الحجّاج: ما تقول في حقّي؟ قال: «أنت قاسط عادل» ففرح الحاضرون، و لكن فهم الحجّاج المعنى، و قال: أمّا القاسط فإشارة إلى قوله تعالى: وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [١] (و القسط ممّا له معنيان متضادّان) و أمّا العادل فهو إشارة إلى قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [٢] (بمعنى جعل العدل و الشريك له) فحكم بظلمي و كفري! إلى غير ذلك في أشباهها.
و قد يمثّل له بقول القائل في مقام الإنكار «علم اللّه ما قلته» يريد ما الموصولة و السامع يحسبه ما النافية.
و لكن الإنصاف أنّ التلفّظ بهما مختلف في النطق كما لا يخفى على الخبير، نعم في الكتابة متوافقان.
و على كلّ حال، فقد وقع الخلاف في حكمه، و يظهر من كثير منهم خروج التورية عن الكذب، بل ذكر بعضهم أنّه لا شبهة فيه.
و لكن عن المحقّق القمّي قدّس سرّه أنّه داخل في الكذب، و العلّة في ذلك هو الخلاف في حقيقة الصدق و الكذب، فان قلنا إنّ المعتبر في اتّصاف الخبر بالصدق و الكذب هو مطابقة ما قصده المتكلّم للواقع و عدمها، فهو ليس من الكذب، لأنّه قصد معناه الواقعي و ان قلنا إنّ المعيار هو مطابقة ظاهره للواقع فهو كذب (و لا دخل له بالنزاع المشهور من أنّ المعيار مطابقته للواقع أو لاعتقاد المتكلّم).
و ما حكي عن أكثر الأصحاب في باب المسوغات أنّه إنّما يسوغ الكذب إذا لم يقدر على التورية، و إنّها ليست كذبا لا يخلو عن إشكال.
أقول: الحقّ أنّ التورية على قسمين:
فتارة يكون الكلام بظاهره قابلا لاستعماله في كلّ منهما كما في اللفظ المشترك، و كما في مرجع الضمير المستعمل في الكلام في الأمثلة المتقدّمة، فانّ الرجوع إلى كلّ ما ذكر في الكلام جائز، و ان كان الأقرب أولى، و لكن ليس لازما، و كما في لفظ «هنا» الذي يقوله
[١]. سورة الجنّ، الآية ١٥.
[٢]. سورة الأنعام، الآية ١.