انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٤ - حكم الموسيقى
لكن يبقى الكلام في دلالتها، فهل يؤخذ بما هو ظاهرها في بادئ النظر من حرمة الانتفاع بها مطلقا، سواء كان في صورة لهوية أو رياضية أو في الحروب أو في المراثي أو غيرها ...
أو لا بدّ من الأخذ بما ينصرف إليه من الصورة الاولى، (و هو اللهوية) فانّها الصورة المتعارفة ذلك اليوم المعمولة بين المتلبّسين بها أو المنتفعين منها؟
فالكلام يدور مدار الانصراف إلى المنافع الغالبة، أو مطلق المنافع، و يمكن ترجيح الأوّل لأمور (و العمدة هو الأوّل و الباقي مؤيّدات):
أوّلا: إنّ المتعارف في أمثال المقام هو القول بالانصراف إلى المنافع الغالبة، فإذا حكم بحرمة الخمر ينصرف إلى شربه، و لا يدلّ على حرمة التداوي بها لغسل الجروح مثلا أو بعض الأمراض الجلدية، و كذا النهي عن الأدهان النجسة إذا كانت ممّا يتعارف أكلها لا يدلّ على حرمة الاستصباح بها إذا لم يكن هناك دليل آخر، هكذا ديدنهم في الفقه.
ثانيا: يمكن أن يقال إنّ حرمة الغناء و الضرب بالآلات من باب واحد، فكما أنّ الصوت الحسن ينقسم إلى قسمين: لهوي و غير لهوي، فكذلك الضرب بالآلات ينقسم إليهما لتقارب مضامين أخبارهما و الاستدلال فيهما واحد.
ففي جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: يحشر صاحب الطنبور ... و يحشر صاحب الغناء من قبره أعمى و أخرس و أبكم، و يحشر الزاني مثل ذلك و صاحب المزمار مثل ذلك و صاحب الدفّ مثل ذلك [١].
و لعلّ ذكر الزاني في عدادهم من ناحية أنّ هذه الملاهي تدعو إليه كثيرا، فهذا أيضا يؤيّد بعض ما سيأتي، و كذلك بالنسبة إلى نفوذ النفاق في القلب (و ليكن هذا على ذكر منك).
و في رواية كليب الصيداوي (٣/ ١٠٠ و قد مرّ ذكرها) قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة.
و قد ورد مثله في الغناء، ففي رواية عنبسة ١/ ١٠١ التي سبق ذكرها عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال:
«استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع».
[١]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢١٩، الباب ٧٩، ح ١٧.