انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١ - الرّابع الحثّ على التّجارة
و أمّا في المعاملات بالمعنى الأخصّ و الأعمّ، فكان الناس يستمرّون على ما هم عليه إلّا أن يمنعهم الشرع.
و الظاهر أنّ كثرة الأسئلة و الرّوايات في مباحث العبادات و قلّتها في أبواب المعاملات نشأت من هذا الموقف.
الثّالث: من أين نشأ البيع و الشراء بين الناس؟
لا يسعنا بيان تاريخ معيّن لهذا الأمر، و الثابت إنّه أمر يعود إلى أزمنة غابرة، ماضية جدّا، من بدء معرفة الإنسان بشخصه.
فإذا تملّك شخص أشياء من طريق الحيازة و غيرها، و كانت أكثر من حاجته، و تملّك آخر شيئا آخر كذلك، و احتاج كلّ إلى ما في يد الآخر، أعطاه ممّا في يده في مقابل أخذ ما في يد الآخر- و من هنا ظهر البيع و الشراء- و السعر في ذلك الزمان كان يدور مدار امور مختلفة أهمّها العرض و الحاجة.
و ممّا ساعد على استحكام هذا الأمر و استمراره، أنّ الإنسان فهم بسرعة أنّ إنتاج أمتعة مختلفة من طريق الحيازة أو الزراعة أو الصنعة (و لو كانت ساذجة جدّا) مشكل جدّا، أمّا النوع الواحد أو أنواع قليلة سهل يسير، لا سيّما فيما يحتاج إلى الخبروية و المهارة، فإنّ الإنسان لا يتيسّر له المهارة و الحذاقة في امور كثيرة، و لذا اشتغل كلّ فرد بإنتاج نوع واحد أو أنواع قليلة ممّا يزيد على حاجاته غالبا.
و من هنا اتّسع أمر المعاملات و الإجارات و ما شابهها، و يظهر بأدنى دقّة إنّه لا يدور رحى حياة البشر بدونها و لو يوما ما، و كلّما كثرت الروابط و العلاقات الاجتماعية و تطوّرت الأجيال و الامم ازدادت أنواع المعاملات و أقسامها، بين ما كانت في أوّل الأمر معاملات بسيطة و ساذجة كما لا يخفى.
الرّابع: الحثّ على التّجارة
ذكر في الحدائق [١] مقدّمات للبحث: منها الحثّ على التجارة، و روى روايات عديدة
[١]. الحدائق، ج ١٨، ص ٣.