انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - المقام الخامس الكلام في التورية
بقي هنا شيء، و هو إنّه قد يقال: إنّ الوعد على أقسام، تارة يخبر عن عزمه على الوفاء بشيء، كأن يقول انّي عازم على أن اعطيك كذا و كذا.
و اخرى أن ينشئ ما التزمه، بأن يقول: لك عليّ كذا.
و ثالثة أن يخبر عن الوفاء بأمر مستقبل، كقوله: أجيئك غدا [١].
هذا و لكن الوعد ليس شيئا منها، بل هو إنشاء و التزام فعل لغيره على نفسه في المستقبل، بأن يقول: أجيئك غدا لا بقصد الإخبار، بل بقصد الإنشاء و الالتزام، و من هنا يعلم أنّ أدلّة حرمة الكذب لا تشمله (فتأمّل فانّه حقيق به).
نعم، هنا إطلاق آخر من هذا العنوان، فيقال: وعد صادق أو كاذب، إذا وفي بعهده أو لم يف به، و هذا صدق و كذب في العمل لا دخل له بالقول الذي هو محلّ الكلام، فتدبّر.
المقام الخامس: الكلام في التورية
«التورية» في اللغة بمعنى الستر و الإخفاء، يقال: ورى الشيء، أي أخفاه عن غيره، و لكن في مصطلح الفقهاء هو: ذكر لفظ و إرادة معناه الواقعي مع قصد القاء المخاطب في غيره (و هو على قسمين: ما يكون في مقام الضرورة، و اخرى في غيرها).
و قد يعبّر عنه في كلمات فقهاء العامّة و الخاصّة بالمعاريض، جمع «المعراض» بمعنى ستر شيء عن شيء آخر، و أمثلته كثيرة، و لكن من ألطفها ما حكى عن بعض علماء الشيعة أنّه سئل عن الخليفة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأراد بيان الحقّ مع إخفاء ظاهره لبعض المسائل قال:
«من بنته في بيته».
و قال الشاعر:
|
خير الورى بعد النبي |
من بنته في بيته |