انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - التاسع- بيع ما لا منفعة فيه
عوامل سياسية، و لكنّه غفل عن أنّه تابع للطلب النوعي لا الشخصي، كما في المنافع النادرة.
نعم لا يعدّ بذل المال في مقابل هذه الامور من قبيل السفاهة إذا كان هناك غرض شخصي قائم به، كما إذا كانت هناك قطعة ثوب خلق بقيت من أجداده، فالبيع و أشباهه يدور مدار المالية بحسب العرف و العقلاء الذي أمضاه الشرع، و أمّا السفاهة و شبهها فتدور مدار الأغراض الشخصية.
و الفرق بينهما أنّ الأوّل من الاعتبارات العقلائية التي تدور مدار النوع عندهم، و الثاني أمر تكويني أو شبه تكويني يدور مدار رغبات الأشخاص، فمن احتاج إلى حشرة خاصّة مثلا لنجاة مريضه من الموت فبذل بإزائها آلافا لا يعدّ سفيها، و لكن ليس لبيعه هذا قيمة عند العقلاء إذا لم تكن تلك المنفعة غالبة، كما أنّه لا يعدّ مالا، و لو أتلفه متلف لا يضمنه، و إن أثم بفعله ذلك، و أضرّ بأخيه، و منعه من حقّ اختصاصه به، فما يظهر من بعض الأعلام في مكاسبه من دوران الأمر مدار خروج المعاملة عن السفه كما ترى.
٣- أنّه من قبيل أكل المال بالباطل، و أي باطل عند أهل العرف أوضح من هذا.
و لكن قد يورد عليه بأنّ الآية الشريفة ناظرة إلى أسباب الملك، لا شرائط العوضين.
و بعبارة اخرى: أنّها ناظرة إلى ما كان من قبيل رضى المتعاملين في مقابل القهر و الغصب و الرشوة و الغشّ و غيرها من طرق السيطرة على مال الغير بالباطل، و يؤيّده قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [١] لمكان «الباء» في قوله «بالباطل».
و فيه: إنّ كون هذه الامور من الباطل ممّا لا ريب فيه، و لكن لا دليل هنا على الحصر فيها، و آية سورة البقرة لا تنفي ما سواها، و كون الباء للسببية أيضا غير مانع من العموم، فمن أكل مال الغير في مقابل الخمر و آلات القمار فقد أكل بسبب باطل، و كذلك في مقابل الحشرات و الأشياء التي لا مالية لها عند العقلاء، فتأمّل.
و بالجملة المسألة عقلائية قبل أن تكون شرعية، و إنّما أمضاها الشرع، و حيث أنّها باطلة عند العقلاء من أهل العرف، فهي باطلة شرعا و منهي عنها.
[١]. سورة البقرة: الآية ١٨٨.