انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣ - الأوّل هل يحرم بيع العذرة
الجواز، فتبقى الاولى سليمة عن المعارض.
و أمّا إن قلنا أنّهما روايتان جمعا في نقل واحد فتصل النوبة إلى أعمال المرجّحات، و من المعلوم أنّ الشهرة و توافق الحرمة، و لكن في مقابلها مخالفة العامّة، التي توافق رواية الجواز و توجب ترجيحها، اللّهمّ إلّا أن يقال: موافقة أبي حنيفة للجواز الذي اشتهرت فتاواه في إجراء صدور الرواية، يمنع عن الأخذ بهذا المرجّح، و ليس ببعيد.
و الإنصاف إنّ تعدّد الرواية أقوى في النظر، فانّه من البعيد صدور الرواية من المعصوم بهذه العبارة المشتملة على التناقض الظاهر الذي لا يفهم المستمع منه شيئا يركن إليه.
و يؤيّده تكرار قوله: «و قال»، و كذا ذكر اسم الظاهر (العذرة) في الفقرة الثانية بدل الضمير.
و يتحصّل من جميع ذلك أنّ القول بالحرمة هنا بالخصوص بملاحظة الأدلّة الخاصّة إن لم يكن أقوى فلا أقل من إنّه أحوط، و إن كان مقتضى العمومات الجواز.
ثمّ إنّ العذرة ظاهرة في عذرة الإنسان كما صرّح به أهل اللغة.
قال في لسان العرب: العذرة و العاذر: الغائط الذي هو السلح، و في حديث ابن عمر، أنّه كره السلت الذي يزرع بالعذرة، يريد الغائط الذي يلقيه الإنسان، ثمّ قال: العذرة فناء الدار، و في حديث علي عليه السّلام إنّه عاتب قوما فقال: ما لكم لا تنظّفون عذراتكم، أي أفنيتكم، و قيل:
العذرة أصلها فناء الدار، و إنّما سمّيت عذرات الناس بهذا لأنّها كانت تلقى بالأفنية، فكنّى عنها باسم الفناء، كما كنّى بالغائط، «و هي الأرض المطمئنة» عنها [١] انتهى محلّ الحاجة منه.
و من هنا يعلم أنّ حمل بعض الروايات على عذرة غير الإنسان بعيد جدّا.
و ممّا ذكرنا لا يبقى وجه لما حكي عن المفيد و سلّار من عدم جواز بيع الأرواث و الأبوال كلّها [٢] بل ما يترتّب عليها نفع معتدّ به يجوز بيعه إن كان طاهرا، و إن كان نجسا أيضا، ما عدا عذرة الإنسان المنصوص عليها بالخصوص.
[١]. لسان العرب، ج ٤، ص ٥٤٤، مادّة «عذر»، ط- ح ة- بيروت- ج ٩، ص ١٠٨.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٨٧، الباب ٥٩، من أبواب الأطعمة المباحة.