انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - الأفعال الواجبة على الإنسان في الجملة
و قال تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ [١].
فهو أيضا ممنوع، بأنّا ننقل الكلام في المحرّم على طلب الغيث من اللّه، فانّ الداعي إليه كثيرا ما يكون أمرا دنيويا محضا، و كذا الدعاء للتزويج و شفاء المريض و سعة الرزق و غيرها منه، فالداعي إلى هذا الطلب من اللّه ليس أمرا قربيّا، بل أمر دنيوي.
فالتفاوت بين المقامين في تعدّد الواسطة و عدمه، و إلّا فكلاهما تنتهيان إلى ما ليس قربيّا، بل قلّما ينفك الإنسان عمّا يرجع إلى نفسه في عباداته إلّا الأوحدي من الناس.
و أمّا «الرابع»: و هو العمدة في الجواب، و هو عدم منافاة أخذ الاجرة لقصد القربة، فيمكن تقريره بأنّ العبادة تنشأ عن قصد القربة، و ان كان الداعي على هذا الداعي هو أخذ الاجرة، و هذا ليس ببعيد، و لو لا مسألة الداعي على الداعي لما صحّت العبادات الاستيجارية، بل و لا أي عبادة من العبادات عدا ما شذّ و ندر، لأنّ فيها دواع غير قربية غالبا كما عرفت آنفا، و أمّا ما قد يقال بأنّ أخذ الاجرة يؤكّد داعي القربة به، فهو أمر شعري مخالف للوجدان.
بقي هنا شيء، و هو أنّ بعض المحشّين ذكروا عدم توقّف أخذ الاجرة على العمل، بل يستحقّ بنفس العقد، و حينئذ لا يبقى إشكال من هذه الناحية بالنسبة إلى العمل.
و يرد عليه: إنّ الاستحقاق حينئذ متزلزل لحقّ الفسخ على تقدير عدم العمل (فتأمّل).
٣- ما حكي عن كاشف الغطاء قدّس سرّه من أنّ التنافي بين صفة الوجوب و التملّك ذاتي، لأنّ المملوك المستحقّ للّه لا يملك و لا يمكن تمليكه للغير في مقابل العوض، أيضا بظاهره ممنوع، لعدم كون الوجوب من قبيل التمليك للّه، بل و لا التمليك للغير إذا كان من قبيل تجهيز الميّت و شبهه، نعم هو شبه التمليك، و لكن مجرّد التشابه في بعض الآثار لا يوجب عدم جواز تمليكه للغير، كإجارة نفسه مرّتين لشخصين في زمن واحد.
و التعبير باللام في قوله «للّه على الناس حجّ البيت» و كذا ما ورد من قوله عليه السّلام: «دين اللّه أحقّ بالقضاء» و هكذا ما ورد في باب النذر و صيغته مضافا إلى اختصاصها ببعض الأبواب، غير ظاهر في الملكية المصطلحة، بل هو دليل على اختصاصه للّه تعالى.
بيان آخر للمسألة: نعم يمكن بيان التنافي بين الوجوب و أخذه الاجرة بنحو آخر،
[١]. سورة الفرقان، الآية ٧٧.