فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩١ - القراءة الجديدة للنصوص الدينية (الهرمنوطيقا) / ٢ / الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
عن خصوصية أموالهم مع الحفاظ على المالية بما يساويها عرفاً في العوض ، فظهور حال كلّ إنسان أنّه يمضي حسب المقاصد العقلائية من عدم رضاه بالمعاوضة الغبنيّة ، وهذه السيرة تكشف عن وجود شرط في المعاملة الخارجية ، وهو شرط عدم التفاوت الفاحش في الماليّة بين العوض والمعوّض ، وإلاّ فهو غير راضٍ بالمعاوضة وتنفيذها ، فيشمله عموم « المؤمنون عند شروطهم » ، فيثبت له خيار الغبن .
وهذه الطريقة العقلائية المتقدّمة وبناء العقلاء حجة في تنقيح الموضوع للحكم الشرعي بلا حاجة إلى كون هذه السيرة معاصرة لزمن النصّ والتشريع ، بل اللازم هو ثبوتها في الزمن الذي يراد إثبات الحكم فيه ؛ لأنّه تشخّص موضوع وجوب النفقة وموضوع الخيار ، والحكم الشرعي يأتي على موضوعه .
ومثال الثاني : وهو البناء العقلائي الذي ينقّح ظهور الدليل ، حيث تكون المرتكزات العرفية والعقلائية لها دخل في تكوين الظهور ؛ لأنّها تعتبر بمثابة قرائن لّبية ( عقليّة ) متصلة بالكلام تحدّد من ظهور اللفظ . ولكن هنا نحتاج الى إثبات معاصرة السيرة لزمن صدور النصّ من المعصوم ؛ لأنّ الحجة هو ظهور النصّ .
ولكن لو أحرزت السيرة العقلائية التي تتدخّل في تكوين الظهور في عصرنا واحتملنا عدم وجوها في زمن النصّ ، فيمكن إجراء أصالة عدم النقل في اللغة (٣١)؛ لاثبات حجية الظهور الذي نشأ من المرتكزات العرفية والعقلائية التي هي بمثابة قرائن متصلة بالكلام .
وبهذا يتضح أنّ هذه الارتكازات العقلائية التي تشخّص موضوع الحكم الشرعي أو تنقح ظهور الدليل لا تخرج عن السير في مقصود المتكلّم ، فإنّ المتكلّم يقصد المعاشرة بالمعروف ، ونحن بصدد تحقيقها ، إلاّ أنّ مصاديقها
(٣١)أقول : إنّ أصالة عدم النقل في اللغة ، أو أصالة الثبات في اللغة عليها السيرة العقلائية ، والسرّ في هذه السيرة هو إنّ الظهورات المتبّدلة في اللغة تكون نسبتها الى الظهورات غير المتبّدلة قليلة جداً ، فتبقى أصالة عدم التغيّر في اللغة على حالها . والدليل على صحة هذه الدعوى هو أنّنا نرى ـ عند مراجعة نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ أنّ المعاني متسقة ومقبولة ، بينما لو كان قد وقع التطور الكثير في الظهورات لكنّا نبتلى بعدم الاتساق وعدم القبول في معاني القرآن والسنّة .