فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٨ - القراءة الجديدة للنصوص الدينية (الهرمنوطيقا) / ٢ / الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
رابعاً ـ تحكيم العقل على النصّ الديني الثابت بالقرآن والسنّة :
نعم ، كانت في زمان الامام الصادق (عليه السلام) زمزمة كزمزمة عصرنا هذا في الدعوة إلى القراءة الجديدة للقرآن والنصوص الدينية ، تُخضع كلّ حكم شرعي إلى العقل ، فما وافق العقل أخذ به وما خالف العقل ترك ونبذ ، وقد يعبّر عنه بالتماس العلل الواقعية للاحكام الشرعية من طريق العقل وجعل العقل مقياساً لصحة النصوص التشريعية ، فما وافق العقل يكون هو حكم اللّه الواقعي الذي يؤخذ به ، وما خالف العقل يكون موضعاً للرفض .
وأرى أنّ الدعوة إلى القراءة الجديدة للنص الديني ـ بحجة أنّ الجمود على النصّ وعدم قراءة ما وراء النصّ يعدّ خطأ فلابدّ من قراءة ما وراء النصّ للانسجام مع الواقع الذي نعيشه ـ ليست بعيدة عن تلك المعركة الفكرية التي حدثت في زمن الامام الصادق (عليه السلام) مع بعض من عاصره . وما نقله القرآن الكريم عن قصة إبليس حيث امتنع عن امتثال أمر اللّه تعالى هو من هذا القبيل ، قال تعالى : {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَ سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (٣٠).
فإنّ إبليس أخضع حكم اللّه إلى عقله ، فرأى أنّه قد خُلق من نار وآدم خُلق من طين فهو أفضل منه بفهمه وعقله الذي حكّمه ، فرأى أنّ عنصره وهو النار أفضل من عنصر التراب ، فلم يقبل حكم اللّه .
وهذا الفهم يشكّل خطراً على الدين لفسحه المجال للتلاعب بالشريعة ومسخ أحكامها باسم العقل ، لذا وقف منه ائمة أهل البيت ـ وبخاصة الامام
(٣٠) سورة ص :٧١ـ٧٨.