فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٢ - القراءة الجديدة للنصوص الدينية (الهرمنوطيقا) / ٢ / الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
والعصيان ورفض الأوامر والنواهي الدينية بحجة أنّ المعيار هو القطع بالمراد ، ومادام هذا غير موجود فلا معنى للعصيان والتمرّد ، فينتفي الغرض من الديانات عموماً .
وهذا الهدف هو هدف العلمانية والحداثة اللتين اتفقتا على هذه النتيجة في محاربة الدين ؛ فإنّ معنى العلمانية هو قطع الصلة بالدين ، فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية في مادة العلمانية : « بأنّها حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالاخرة إلى الاهتمام بالدنيا وحدها . . . » وقال المستشرق « آربري » في كتابه « الدين في الشرق الأوسط » عن هذه المادة : « إنّ المادية العلمانية والانسانية والمذاهب الطبيعية والوضعية كلّه أشكال للادينية ، واللادينية صفة مميزة لاوربا وامريكا ، ومع أنّ مظاهره موجودة في الشرق الأوسط فإنّها لم تتخذ صيغة فلسفية أو أدبية محدّدة ، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين عن الدولة في الجمهورية التركية » (٤).
وأمّا الحداثة : فليس معناها المقصود منها هنا هو حرية الرأي والتعبير ، ويتفرّع عليه حرية الاجتهاد والبحث العلمي وحرية استعمال العقل والاحتكام اليه وحرية استخدام العلم ومنهجه وتطبيقه ممّا دعا اليه الاسلام وحثّ عليه ، بل المراد منها المعنى الغربي ، وهو الثورة على الدين المسيحي نفسه وعلى اللّه ، ويراد سرايته إلى مواجهة الاسلام الذي لم يكن فيه سلبيات رجال الكنيسة كما قال نيتشه ( ١٨٤٤ ـ ١٩٠٠ ) قولته المشهورة : « قد مات الاله » وراج شعار « الانسان يصنع تاريخه » ، فالمعنى المقصود للحداثة : هو المنهج الفكري والمذهب الاجتماعي في الحياة ضد اللّه والدين الذي أرسله اللّه للبشر ، فهو تحرّر فكري من سيطرة اللّه في الأرض ، ولهذا فإنّ الحداثة بهذا المعنى تلتقي مع العلمانية في نبذ الدين والأخذ بما يقوله العقل ( كما يقولون ) بعيداً عن السماء (٥).
(٤)راجع : العلمانية في مواجهة الاسلام ( للدكتور يوسف القرضاوي ) : ٤ ـ ٥ عن كتاب العلمانية وهو رسالة ماجستير من جامعة أم القرى لسفر بن عبدالرحمن الحوالي باشراف الاستاذ محمد قطب .
(٥)راجع : موجز حوار أجراه رئيس تحرير مجلة العالم العربي في البحث العلمي سانتور مع الباحثة الفرنسية ونقلت بعد الموجز من مقالة السيد ياسين في الاهرام ٢/٤/ ١٩٩٨م.