فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٣٣ - البنك وتجاذبات الاجتهاد الاسلاميوالاقتصاد الحديث السيد عباس موسويان
وبمرور الوقت ، تحوّلت الصكوك الموجودة في يد الأفراد المودعين إلى أوراق تداول ، نتيجة عنصر الاعتماد على الصيارفة ، وأصبحت تأخذ دور النقد أحيانا في مجال المعاملات المالية ، الأمر الذي كان يؤدي إلى اطالة المدة الزمنية التي يحتفظ الصيارفة فيها بالنقود لديهم .
وقد أدرك الصيارفة فيما بعد ، أنّ بإمكانهم ـ وفقا لهذه الحال ـ أن يقرضوا ما بأيديهم من الأموال إلى غيرهم ، الأمر الذي شكل الخطوة الاُولى لخلق النقد ، ذلك أنّ النقد في الواقع تحوّل إلى عنصر متحرّك على خطين ، خط الصكوك التي دخلت مجال التداول ، وخط العملة المسكوكة أيضا .
والتحوّل الرئيس الذي اكتشفه الصيارفة ، تمثل في قدرتهم على تقديم صكوك للمقترضين بدلاً من دفع أموال نقدية إليهم ، وهو ما ولّد أهم سمات الظاهرة البنكية ، أي خلق النقد الاعتباري ، فقد نجح الصيارفة ـ معتمدين على ما بأيديهم من النقود المعدنية القليلة ـ في إقراض صكوك كثيرة لتداولها بين الناس ، وكان هذا ما فعله البنك الحديث أيضا فيما بعد ، ذلك أنّ البنك ( والصرّاف ) كان يقدم على خلق نقود اعتبارية فائضة عن الحد لتحقيق أرباح سريعة وسهلة ، وبعد مدّة كان يواجه البنك اندفاعا كبيرا من الأفراد المطالبين بتبديل صكوكهم أو عملاتهم الورقية البنكية ، الأمر الذي أسقط البنك في ظواهر إفلاس نشأت عن عدم وجود احتياطي كافي لديه من النقد .
وبتطوّر المسار البنكي ، تم السعي إلى ضبط حركة إنتاج النقد الاعتباري من جانب البنوك التجارية عبر إيجاد البنك المركزي وابتكار أساليب عمل جديدة ، وهو ما أدّى اليوم إلى إدارة البنك المركزي قدرة الإقراض الموجودة لدى البنوك عن طريق آليات السياسة النقدية .
ونتيجة ذلك ، أنّ البنوك الحديثة اليوم ، رغم كل مظاهر السرعة ، والدقة والحجم في عملياتها ، ودرجة ما تتركه من آثار بالغة على اقتصاد المجتمعات