فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٨٣ - حقيقة الاحرام دراسة تحليلية فقهية الشيخ قاسم الابراهيمي
والحج والعمرة اللذان اُريد بهما للإنسان أن يرحل من بيت الذات إلى بيت اللّه ويخرج من حريم النفس إلى حرم الربّ ويدع كل ما يرضيه من أطايب العيش ولذائذه إلى ما يرضي معبوده وخالقه ، لا يناسبهما انشغال العبد بمجامعة النساء وارتداء الحلل وتطييب الثياب وغير ذلك ، فحرّم كل ذلك عليه .
وهكذا أصبح لكل فعل من هذه الأفعال حريم ، وغدا الدخول فيه إحراما .
لكن الدخول في حريم العبادة ليس على غرار الدخول في غيرها ؛ حيث تقتضي دخولاً بالقلب والبدن لا بالبدن وحده .
وعلى هذا صارت للإحرام مرتبتان : إحداهما دخول في حريم العبادة بالقلب ، والاُخرى دخول فيه بالبدن .
ويناسب الدخول الأوّل أن يكون الفعل الموجب له والأثر المترتب عليه قلبيين ، كما يناسب الدخول الثاني أن يكون الفعل الموجب له والأثر المترتب عليه بدنيين .
ولذلك كان حصول الدخول الأوّل بإنشاء العزم وعقد النية على إتيان الواجب الذي اعتبره الشارع نافذا في حق مُوقعه كسائر الإنشاءات الإيقاعية الاُخرى مثل النذر والوقف ، وكان أثره حرمة قطعه والرجوع عنه ، وحصول الدخول الثاني بالإتيان بأوّل جزء منه وهو التكبيرة في الصلاة ، والتلبية أو الإشعار أو التقليد في الحج ، وأثره حرمة المحرمات المعهودة في كل منهما .
ولابدّ من سبق الدخول الأوّل على الثاني لكيلا يقع بعض الواجب العبادي فاقدا للنية ، غير أنّ هذا السبق قد يكون بفاصل زماني كما في الحج حيث يستحب تأخير التلبية عن الميقات بما يقارب الميل حيث البيداء ومحل الخسف ، وقد لا يكون كما في الحجّ مع عدم العمل بمقتضى الاستحباب والصلاة حيث يؤتى بالتكبيرة بعد النية مباشرة .