فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٣٨ - رؤية جديدة حول حكم العمرة المفردة الشيخ محمد الرحماني
وبالرغم من أنّ الفقهاء قد قدّموا حول الحج والعمرة بحوثا عميقة وواسعة وأثروا بذلك تراثنا الفقهي النفيس والخالد ، بيد أنّ بعض البحوث حولهما بحاجة إلى تحقيق وإعادة النظر برؤية جديدة .
ومن جملة ذلك تأتي مسألة « وجوب العمرة المفردة على جميع المسلمين » حتى من كان بعيدا عن مكة ، وحسب اصطلاح الفقهاء « النائي » (٥).
ومن الواضح أنّ الاستطاعة للعمرة المفردة لم تكن منفصلة عن الاستطاعة لحج التمتع ؛ لأنّه في السابق كان يتم ذلك بالوسائل والإمكانات البدائية واليدوية ، سيما وأنّ الكثير كان يبعد عن مكة المكرمة بمسافات كبيرة ، فلذا لم تلقَ هذه المسألة نصيبها من البحث . ولكن باعتبار الفرق بين الاستطاعة للعمرة المفردة والاستطاعة للحج ، ومن المحتمل أن يكون بعض الأفراد مستطيعين بالنسبة إلى العمرة المفردة ، يطرح السؤال التالي :
هل تجب العمرة المفردة على من كان بعيدا عن مكة المكرّمة ولم يكن مستطيعا للحج ، أو لا ؟ وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة .
وهذا المقال يدور حول تحصيل الجواب العلمي والتفصيلي لهذا السؤال وغيره من الأسئلة ، على أنّنا لسنا في مقام الإفتاء الذي هو أعلى شأنا من كاتب هذه السطور . وسنواصل البحث ضمن ستة محاور :
١ ـ تاريخ البحث :
لا ريب في أنّ تحقيق كل بحث علمي من الزاوية التاريخية له دور مؤثّر في معرفة ذلك العلم سيما البحوث الفقهية التي تعتبر من العلوم النقلية والتتبعية وأنّ المنبع الأصلي لها هو البيانات الشرعية وما يصدر عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ، ولذا فإنّ معرفة نظريات الفقهاء القريبين من زمن الأئمة (عليهم السلام) لها تأثير كبير .
وربما نستطيع القول بأنّ السيد المرتضى علم الهدى [ م = ٤٣٦] هو أوّل
(٥)لقد اختلف الفقهاء في تحديد مسافة بُعد النائي عن مكة ؛ فبعضهم اعتبرها ٤٨ميلاً [ = ستة عشر فرسخا ] ، وبعض اعتبرها اثني عشر ميلاً ، والمشهور الأوّل ( جواهر الكلام ١٨: ٦ ) .