مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٨٩ - (النوع الثاني) في صفة الدنيا و التحذر منها
ما يصحبكم منها فرحم اللّه امرأ تفكر و اعتبر، و أبصر إدبار ما قد أدبر و حضور ما قد حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن فكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل، كل ما هو آت قريب، فكم من مؤمل ما لا يدركه و جامع ما لا يأكله و مانع ما لا يتركه، و لعله من باطل جمعه أو حق منعه أصابه حراما و ورثه عدوانا، فاحتمل ما ضره و باء بوزره و قدم على ربه آسفا لاهفا خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين.
و قال ((عليه السلام)): مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، و كن آنس ما تكون إليها أوحش ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصته إلى مكروه فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته و يحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا و إن جهد فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول، و ليكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك و لا تكن على ما فاتك من الدنيا حزينا، و ما أصابك منها فلا تنعم به سرورا و اجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لآت.
و قال ((عليه السلام)): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهد فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن و تفجع المترف، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها، فرحم اللّه امرأ تفكر و اعتبر، و أبصر إدبار ما قد أدبر و حضور ما قد حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن و ما هو كائن من الآخرة لم يزل، إي و اللّه عن قليل تشقي المترف و تحرك الساكن و تزيل الثوي، صفوها مشوب بالكدر و سرورها منسوج بالحزن و آخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما يغركم منها فعن كثب تنقلون عنها و كل ما هو آت قريب، و هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت و ردوا إلى اللّه مولاهم الحق و ضل عنهم ما كانوا يفترون.
و قال ((عليه السلام)): أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت بغرورها و غرت بزينتها لمن كان ينظر إليها فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار هانت على ربها قد اختلط حلالها بحرامها و حلوها بمرها