مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٣١ - الفصل السابع في عبادته و زهده و ورعه
و ادحض مستحلى ارتضاعها، فارتدى لباس الزهادة فيها و امتطى مطا الرغبة عنها فصار زهده فيها شعارا مدركا بالأبصار، و أثرا حقيقيا لا يقابل دعوى وجوده بالإنكار، حتى تواترت منه متون الاخبار و تجاهرت به أقوال أئمة الأمصار.
فمنها أن ابن النباح خازن بيت المال جاءه يوما فقال: يا أمير المؤمنين قد امتلأ بيت المال من صفراء و بيضاء فقال ((عليه السلام)):
اللّه أكبر ثم قام متوكئا على الخازن حتى قام على بيت المال فقال:
هذا جناي و خياره فيه * * * إذ كل جان يده إلى فيه
يا بن النباح علي بأسباع الكوفة، فنودي في الناس فاعطى الناس و وضع الحقوق في مقارها و هو يقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، ها و ها حتى ما بقي فيه دينار و لا درهم ثم أمر بنضحه، و قام فصلّى فيه ركعتين و انصرف إلى مكانه كما جاء منه لم يصحبه منه شيء.
قال مجمّع التيمي: كان علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) يكنس بيت المال و يصلي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
و منها أن هارون بن عنترة قال: قال لي أبي: دخلت على أمير المؤمنين علي ((عليه السلام)) بالخورنق و هو يرعد تحت سمل قطيفة فقلت يا أمير المؤمنين: إن اللّه تعالى قد جعل لك و لأهل بيتك في هذا المال ما يعم و أنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال: و اللّه ما أرزأكم من مالكم شيئا و إن هذه لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها.
و نقل أن معاوية قال بعد موت علي ((عليه السلام)) لضرار بن صرد: صف لي عليا ((عليه السلام)) فقال: أو تعفيني قال: بل صفه قال: أو تعفيني قال: لا أعفيك قال: أما إذ لا بد فأقول ما أعلمه منه: و اللّه كان بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا و يحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس