مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١١٠ - الفصل السادس في علمه و فضله
سامعها طربا لحسن ترتيبها و توضح لمن يعيها عجبا من تهذيب تقريبها فأقول:
قد قضت العقول في أساليب سدادها و أنفدت حكم قضائها في طرق اجتهادها بأن النفس البشرية في اعتياد مجراها و جاري اعتيادها لا تحصل من أنواع العلوم [و المراتب] و الفضائل على مرامها و مرادها، إلا عند امدادها من الأقدار الربانية بشروطها [و موادها]، فإذا فتحت بها أبواب المواد و منحت بالقابلية و الاستعداد، و جدحت بها من الفاعلية أمشاج الإرشاد أدركت صور العلوم و الفضائل إدراك العيان، و ثبتت لها صفة الاتصاف بها بدليل و برهان، و قد أشار بعض الفضلاء إلى هذه الحال فقال:
أخي لن تنال العلم إلا بستة * * * سأنبيك عن مجموعها ببيان
ذكاء و حرص و اجتهاد و بلغة * * * و إرشاد استاذ و طول زمان
فإن ظفرت كفاك منها بهذه * * * فقد نلت في العلياء أشرف شأن
و هذه الشروط و المواد بأسرها كانت حاصلة لعلي ((عليه السلام)) فإنه كان في غاية الذكاء و الفطنة و القابلية و الاستعداد من أصل الخلقة حريصا على متابعة النبي ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و التعلم منه.
و كان رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) أكمل العالم علما و أعلاهم في المعارف و الفضائل محلا، و كان شديد الحرص على تربية علي ((عليه السلام))، و الإشفاق عليه في تعليمه و إرشاده إلى اكتساب الفضائل، و كان في حجره من صغره على ما تقدم ذكره و شرحه في الفصل الأول ملازما له حتى كبر، و في كبره زوجه ابنته فصار صهره و كان يدخل عليه في كل الأوقات، كانت تلك الشروط و المواد حاصلة له و من المعلوم الذي لا يشك فيه ذوو الدراية أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء و الحرص على التعلم، و الأستاذ في غاية الفضل و المعرفة و الحرص على التعليم، و رزق هذا التلميذ ملازمة هذا الاستاذ من صغره