مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٤٠ - الفصل الثامن في شجاعته و زهادته و مواقفه
و أقام بعد رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) بمكة ثلاث ليال و أيامها يرد الودائع التي كانت عند رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) للناس، حتى إذا فرغ منها و لم يبق بمكة من المسلمين احد سواه إلا من هو معذب في الإسلام محبوس عليه.
ثم خرج ((عليه السلام)) طالبا أن يلتحق بالنبي ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) وحده، فأقام وحده بمكة بينهم ثم خرج وحده من مكة مع شدة عداوتهم له و طلب المدينة فوصلها، فنزل مع رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) على كلثوم بن هرم.
فلو لم يكن اللّه (تعالى) قد خص قلبه بقوة، و جنانه بثبات و نفسه بشهامة لاضطرب في هذا المقام و إن كان آمنا من أذاهم في مبيته، لقول النبي ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)): «لن يخلص إليك شيء تكرهه». فإن النفوس البشرية قد تتيقن عدم الخوف [و الأذى] و مع ذلك يظهر عليها الاضطراب من رؤية المخوف، فإن موسى ((عليه السلام)) مع درجة النبوة و قد أخبره اللّه (تعالى) بأنه اختاره لما أمره بالقاء عصاه فألقاها، فلما صارت حية خاف و ولى مدبرا، فقال له اللّه (تعالى): أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ و قال له (تعالى): خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى، فلم يمكنه أن يخالف الأمر.
و كان عليه كساء فلف طرف الكساء على يده ليأخذها فقال: ما لك يا موسى أ رأيت لو اذن اللّه لها في أذاك أرد عنك كساؤك شيئا؟ فقال:
لا و لكني ضعيف و من ضعف خلقت.
فالنفس البشرية هذا طبعها، و كذلك أم موسى لما أمرها اللّه (تعالى) بإلقاء ولدها في اليم و نهاها عن الخوف و الحزن و أخبرها أنه يرده إليها فلما ألقته في اليم داخلها الاضطراب من النفس البشرية حتى كادت لتبدي به و تفضح أمرها، لو لا أن ربط اللّه عليها فلم تنطق مع اضطراب القلب.