مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٧٢ - و هذا تفصيل شيء من مواطن جهاده
بأعيانها، و ذكر كيفية قذفه بحقه لإزهاق باطلها و كف غلوائها و إرهاق عصبها صعود بوارق قاض عليها بشقائها.
و قد تضمن هذا الفصل من وقائعه المذكورة و مواقفه المأثورة ما فيه غنية كافية و كفاية مغنية، فإنه قد ملك عصم الشجاعة و إنه أكفأ أكفائها و من تأمل إقدامه ((عليه السلام)) في مأزق وقائعه و مضائق مواقفه و معارك كرّه على الأبطال و هجومه على الأقران و افتراس نفوس أخصامه، قاطعا بحسامه رقاب الهام و مفلقا بشباه مفارق الرءوس و قادّا بحده أوساط المارقين، و شاهد غلظته على أعداء اللّه و استئصال شأفتهم و تفصيل أوصالهم و تفريق جموعهم و تمزيقهم كل ممزق، غير ثان عن عزمه و أعمال بطشه عن الاقدام على الصفوف المرصوصة و الكتائب المرصوفة و الكراديس المصفوفة، مبددا شمل اجتماعها مشمرا عن ساق شجاعته لها موغلا في غمرات القتال مولعا صارمه في دماء الطلا و الاحشاء، تحقق و استيقن ان هجيراه مكابدة الحروب و إدارة رحاها، و أنه إليه في جميع الأحوال مردّها و منتهاها و أنه فيها قدوة شيخها و كهلها و فتاها، و علم علما لا يعترضه شك أن اللّه (عز و جل) قد آتاه خصائص تكاد توصف بالتضاد و حلاه بلطائف تجمع أشتات التعاند، اذ هذه الشدة و البطش و الغلظة و البأس و القدّ و القطّ و شق الهام و خفة الاقدام و تذليل الجحاجح، و إذلال الكماة و الزاق معاطسها الآبية بالرغام من خشوعه و خضوعه راغبا و راهبا، و تدرعه من الزهادة و العبادة بسربال سابغ و رداء سابل، و اتصافه ((عليه السلام)) برقة قلب و هموع طرف و انسكاب دمع و تأوه حزين [و إخبات] منيب، و شظف عيشه و جشب غذائه، و تقلل قوت و خشونة لباس و تطليق الدنيا و زهرتها و مواصلة الأوراد و استغراق الأوقات بها، و الإشفاق على الضعيف و الرحمة للمسكين و التحلي بخلال خير لا تتأتى إلا لمنقطع في كنّ جبل لا يصحب إنسا، و لا يسمع من البشر حسا مع المبالغة في معاتبة نفسه على التقصير في الطاعة و هو مطيل في العبادة.