مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١١٣ - الفصل السادس في علمه و فضله
أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر، فقال: لما أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر و لا تفويض [فقال: يا أمير المؤمنين إن فلانا يقول بالاستطاعة- و هو حاضر- فقال علي ((عليه السلام)): عليّ به فأقاموه فلما رآه قال له: الاستطاعة تملكها مع اللّه أو من دون اللّه و إياك أن تقول واحدة منهما فترتد قال: فما أقول يا أمير المؤمنين قال: قل أملكها باللّه الذي إن شاء ملكنيها.
فهذه صورة الفاظه و عباراته التي نقلها البيهقي.
و اعلم أن في هذه الكلمات اليسيرة و العبارات الموجزة من المطالب الجليلة و المقاصد العلية السنية، ما هو عين الإيمان في القضاء و القدر، و ان افعال الجوارح مرتبطة بما يحصل في القلوب من الدواعي و الصوارف، و إنه يحدث بسبب من الأسباب الخارجة عن قدرة الانسان و اختياره، و ذلك أن الانسان إذا رأى صورة شخص و سمع كلامه، ترتب على تلك الرؤية و ذلك السماع رجاء لشيء ثم حصول ذلك الرجاء عند تلك الرؤية و ذلك السماع، ليس باختيار ذلك الانسان أصلا بل هو حاصل سواء أراد الإنسان حصوله أو لم يرد، فإذا حصل ذلك الرجاء له و لهه الطمع شاء أو أبى، و إذا حصل الطمع أهلكه الحرص شاء أو أبى و هذا برهان قاطع على أن افعال العباد مترتبة على ما في القلوب من الدواعي و الصوارف، و أن تلك الدواعي و الصوارف ترتيب بعضها على بعض ترتيبا اضطراريا لا اختياريا، و ذلك يحقق القول بالقضاء و القدر، فما أشرف كلام أمير المؤمنين في هذه المسألة و ما أمتنه و ما أحسنه.
و أما قوله ((عليه السلام)) فإنه أمر بين الامرين لا جبر و لا تفويض فشرحه و إيضاحه هو أن الجبر أن يجري الشيء على خلاف إرادته و هاهنا فعل الإنسان محدث على وفق إرادته فلا يكون جبرا.
ثم إن حدوث تلك الإرادة في قلب الانسان ليس من الإنسان و إلا افتقر إلى إرادة أخرى و لزم التسلسل، و هو محال فلا بد لها من