مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٠١ - الفصل السادس في علمه و فضله
تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» قال: فما زلت قاضيا و ما شككت في قضاء بعده. فهبت عليه النسمات الإلهية من العناية النبوية بألطاف التأييد و نزل عليه الملكان الموكلان بالمحقين فالبساه رداء التوفيق و التسديد، فوترت حقائق علم القضاء في صدره حتى ما على احاطته بها [من] مزيد، و أثمرت حدائق فضائله فنخلها بالمعرفة باسقات ذات طلع نضيد، فلما رسخ علمه ((عليه السلام)) بمواد القضاء رسوخا لا تحركه الهواب، و رسا قدم فهمه في قواعد معرفته بحيث لا يعترضه الاضطراب، فاقتفى رشدا و قضى سددا فوارده التأييد و رافقه التوفيق و صاحبه الصواب، فعند ذلك وصفه رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) بقوله: «أقضاهم عليّ» إذ وضحت لديه الأسباب و تفتحت بين يديه الأبواب، و شرحت له الالسن و السنن و الآداب حتى قال له رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)): «ليهنئك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شربا و نهلته نهلا».
و من ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد حسين بن مسعود البغوي في كتابه المسمى بشرح السّنة، يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) يقول: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله».
فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا فقال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: «لا و لكن خاصف النعل» و كان علي ((عليه السلام)) قد أخذ نعل رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و هو يخصفها.
فقضى ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) أن عليا ((عليه السلام)) يقوم بالقتال على تأويل القرآن، كما قام هو ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) بالقتال على تنزيله فهذا منطوق الحديث.
و أما دلالته على فضيلة علي ((عليه السلام)) فأقول: اعلم أرشدك اللّه إلى مناهج الحق و مدارج الهدى أن التنزيل و التأويل أمران متعلقان