مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ٩٩ - الفصل السادس في علمه و فضله
و من ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ((رضي الله عنه)) في تصنيفه المسمى بالمصابيح مرويّا عن أنس ((رضي الله عنه)) أن رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم))، لما خصص جماعة من الصحابة كل واحد بفضيلة، خصص عليا بعلم القضاء فقال: «و أقضاهم علي». و قد صدع هذا الحديث بمنطوقه و صرح بمفهومه أن أنواع العلم و اقسامه قد جمعها رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) لعلي ((عليه السلام)) دون غيره، فإن كل واحد ممن خصه رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) بفضيلة خاصة لم يتوقف حصول تلك الفضيلة على غيرها من الفضائل و العلوم، فإنه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) قال: «أفرضهم زيد بن ثابت و أقرأهم أبي و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل». و لا يخفى أن علم الفرائض لا يفتقر إلى علم آخر، و معرفة القراءة لا تتوقف على سواها و كذلك العلم بالحلال و الحرام، بخلاف علم القضاء فالنبي ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) قد أخبر بثبوت هذه الصفة العالية لعلي ((عليه السلام)) مع زيادة فيها، فإن صيغة أفعل تقتضي وجود أصل ذلك الوصف و الزيادة فيه على غيره.
و إذا كانت هذه الصفة العالية قد أثبتها له فتكون حاصلة له، و من ضرورة حصولها له أن يكون ((عليه السلام)) متصفا بها، و لا يتصف بها إلا بعد أن يكون كامل العقل صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن السهو و الغفلة، يتوصل بفطنته إلى وضوح ما أشكل و فصل ما أعضل ذا عدالة تحجزه عن أن يحوم حول حمى المحارم، و مروءة تحمله على محاسن الشيم و مجانبة الدنايا صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفا عن المحظورات، مأمونا في السخط و الرضا عارفا بالكتاب و السنة و الاتفاق و الاختلاف و القياس و لغة العرب، بحيث يقدم المحكم على المتشابه و الخاص على العام و المبين على المجمل و الناسخ على المنسوخ و يبني المطلق على المقيد و يقضي بالتواتر دون الآحاد و بالمسند دون المرسل، و بالمتصل دون المنقطع و بالاتفاق دون الاختلاف، و يعرف أنواع