مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٦٦ - و هذا تفصيل شيء من مواطن جهاده
أبلى بلاءه المذكور في النزال و لا صدرت منه هذه الأفعال إلا عن شجاعة تذل لها الابطال و تقل لديها الأهوال، و لا تقوم بوصفها الاقوام و الأقوال و لا يحتاج في تحقيقها أن يثبتها الاستدلال و على الجملة و التفصيل فمقام شجاعته لا ينال و ما ذا بعد الحق إلا الضلال.
و لما أسفر صبح ليلة الهرير عن ضيائه و حسر الليل جنح ظلمائه كانت القتلى من الفريقين ستة و ثلاثين ألف قتيل، هكذا نقله مصنف فتوح الشام و مؤرخ الوقائع التي نقلتها ألسنة الاقلام فهي في الرواية منسوبة إليه و العهدة فيها عند تتبعها عليه، و هذه الوقائع المذكورة مع أهوالها الصعاب و صيالها المصلّى لدى الطعان و الضراب هي بالنسبة إلى وقائع صفين كالقطرة من السحاب و الشذرة من السخاب.
و منها قتال الخوارج الذين قاموا على سوق مخالفة الملة الإسلامية، و شاموا بروق جهلهم من مطالع الجاهلية طلبا للحمية و اتفقوا على اتباع أهواء نفوسهم الأمارة و قلوبهم العمية و مرقوا بذلك من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فسدد إليهم علي ((عليه السلام)) سهام الانتقام بأيدي نظراته الإمامية و جرد لهم صوارم الاصطلام بمرهفات عزائمه الهاشمية، و حصد رءوسهم و أخمد نفوسهم بشبا شفار شنشنته الأخزمية، و لا يظهر حقيقة ما ابتدعوه من حالهم و ما اتبعوه من استباحتهم و استحلالهم إلا بتفصيل أقوالهم و أعمالهم، و ما اعتمدوه في تعليل انفصالهم عن الطاعة و جدالهم.
و ها أنا الآن اشرح قصتهم مختصرة و اختصرها مشروحة بحيث يعقلها من تلاها، و يستوي في معرفتها من سمعها و من أملاها و هو أن عليا ((عليه السلام)) لما عاد من صفين إلى الكوفة بعد الذي جرى من أمر الحكمين أقام ينتظر انقضاء المدة التي كانت بينه و بين معاوية ليرجع إلى المقاتلة و المحاربة، إذ تحركت طائفة من خواص أصحابه في أربعة آلاف فارس و هم العباد و النساك فخرجوا من الكوفة و خالفوا على