مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٣٠ - الفصل السابع في عبادته و زهده و ورعه
يبتزه أو مقنب يقوده أو منبر يفترعه، و لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا و مما لك عند اللّه عوضا، و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة و لا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه و قارب من خطوه و شمر من ثوبه و زخرف من نفسه للأمانة و اتخذ ستر اللّه تعالى ذريعة إلى المعصية، و منهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه و انقطاع سببه فقصرته الحال على حاله فتحلى باسم القناعة و تزين بلباس أهل الزهادة و ليس من ذلك مراح و لا مغذى و بقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع و أراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناد و خائف مقموع و ساكت مكعوم وداع مخلص و ثكلان موجع، قد أخملتهم التقية و شملتهم الذلة فهم في بحر أجاج أفواههم ضامزة و قلوبهم فرحة قد وعظوا حتى ملّوا و قهروا حتى ذلوا، و قتلوا حتى قلّوا. فلتكن الدنيا أصغر عندكم من حثالة القرظ و قراضة الجلم، و اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم و ارفضوها ذميمة فإنها رفضت من كان اشغف بها منكم، فياما اغر خداعها مرضعة و ياما أضر نكالها فاطمة.
و قد نقل عنه ((عليه السلام)) أنه قال و قد اجتمع حوله خلق كثير:
اتقوا اللّه فما خلق اللّه امرأ عبثا فيلهو و ما ترك سدا فيلغو، ما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء ظنه عنده و ما المغرور بزخرفها الدنيء بناج من عذاب ربه عند مرده إليه.
و له ((عليه السلام)) في هذا الباب من التنفير عن الدنيا و التنقير عن مساوئها جواهر حكم مبثوثة في غضون خطبه مندرجة في مطاوي مواعظه منظومة في عقود كلامه، لم أر اقتطاعها منها و لا فصلها عنها ستأتي مسرودة في الفصل المرصد لبيان فصاحته، و إيراد بلغة من عيون بلاغته إن شاء اللّه تعالى. و اقتصرت في هذا الفصل على هذه النبذة فإنها مع قلتها وافية بالغرض في دلالتها على معرفته بالدنيا، فلهذا لما فهمها اتهمها و حين عرفها صرفها و إذ استبانها أبانها و مذ تحققها طلقها و حيث تبين اقبالها بإيضاعها و تيقن احتيالها بخداعها، رفض مقتنى متاعها