مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٢٩ - الفصل السابع في عبادته و زهده و ورعه
و الإحاطة بأن مجانبته خير من مقاربته، و الاعراض عنه أنفع من الإقبال عليه، فإن من لم يعرف الشيء و لم يحط بأن اجتنابه خير من اجتذابه لا يخصه بزهد فيه و نفرة عنه و لا يقدم عليه بميل إليه و لا باقتراب منه، إذ النفرة و الرغبة ينشآن مما اشتمل عليه ذلك الشيء من المفاسد المنفرة و المصالح المرغبة، و ذلك لا يحصل إلا بعد الإحاطة و المعرفة به. و إذا وضح ذلك توقف الزهد على معرفة المزهود فيه، فاعلم أن أمير المؤمنين عليا ((عليه السلام)) لم يزهد في الدنيا إلا بعد أن عرف حقيقتها و أحاط علما بذاتها و اطلع ببصر بصيرته على مساوئها و تحقق السموم القاتلة المودعة فيها، و قد صرح بذلك في كثير من كلماته التي افصح بإيراد صورها و معانيها و صدع ببيان عطب طالبيها و فوز مجانبيها.
فقال يوما و قد احدق الناس به: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة و ليست بدار نجعة، هانت على ربها فخلط خيرها بشرها و حلوها بمرها لم يصفها (يسقها) لأوليائه و لم يضن بها على أعدائه، و هي دار ممر لا دار مستقر، و الناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها و رجل ابتاع نفسه فاعتقها إن اعذوذب منها جانب فحلا أمرّ منها جانب فأوبى، أولها عناء و آخرها فناء من استغنى فيها فتن و من افتقر فيها حزن و من ساعاها فاتته و من قعد عنها أتته، و من أبصر بها بصرته و من أبصر إليها أعمته، فالإنسان فيها غرض المنايا مع كل جرعة شرق و مع كل أكلة غصص لا ينال منها نعمة إلا بفراق أخرى.
و قال يوما في مسجد الكوفة و عنده وجوه الناس: أيها الناس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود و زمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا و يزداد الظالم فيه عتوا لا ننتفع بما علمنا و لا نسأل عما جهلنا و لا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، و الناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه و كلال حده نضيض وفره، و منهم المصلت لسيفه المعلن بشره و المجلب بخيله و رجله، قد أهلك نفسه و أوبق دينه لحطام