مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٣٢ - الفصل السابع في عبادته و زهده و ورعه
بالليل و ظلمته، كان و اللّه غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفيه و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب. كان و اللّه كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و يبتدئنا إذا أتيناه و يأتينا إذا دعوناه و نحن و اللّه مع تقريبه لنا و قربه منا لا نكلمه هيبة و لا نبتدئه عظمة، إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم. يعظم أهل الدين و يحب المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله، فاشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سجوفه و غارت نجومه و قد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، و كأني اسمعه و هو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إليّ تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كثير، آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق، قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها و هو ينشفها بكمه و قد اختنق القوم بالبكاء. فقال معاوية: رحم اللّه أبا الحسن كان و اللّه كذلك: فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها و لا ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها.
و مما يجري مجراها و يتلوها في ذكراها قصة سودة بنت عمارة الهمدانية لما قدمت على معاوية بعد موت أمير المؤمنين علي ((عليه السلام))، فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين و آل أمره إلى أن قال: ما حاجتك فقالت: إن اللّه (تعالى) مسائلك عن أمرنا و ما افترض عليك من حقنا، و لا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك و يبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل و يدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف و يذيقنا الحتف و هذا بسر بن ارطاة قدم علينا فقتل رجالنا و أخذ أموالنا، و لو لا الطاعة لكان فينا عز و منعه فإن عزلته عنا شكرناك و إلا كفرناك. فقال معاوية: إياي تهددين بقومك يا سودة لقد هممت أن أحملك على قتب اشوس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه. فأطرقت سودة ساعة ثم قالت: