مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٢٨ - الفصل السابع في عبادته و زهده و ورعه
فأثنى عليهم و ذكر المجازاة على هذه الحالة بقوله (سبحانه): فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ إلى آخر الآيات.
فكفى بهذه عبادة و بإطعام هذا الطعام مع شدة حاجتهم إليه منقبة و لو لا ذلك لما عظمت هذه القصة شأنا و علت مكانا و لما أنزل اللّه (تعالى) فيها على رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) قرآنا، و اعلم أن أنواع العبادة كثيرة، و كان علي ((عليه السلام)) جامعا لجميعها، فإن من تيقّن حقيقة الآخرة بأحوالها و تحقق شدائد أهوالها، و إن كل نفس عند مردّها و مآلها تلزم بجواب سؤالها و تجثو بين يدي خالقها لجدالها و تجازي على ما أسلفته من أعمالها إما بنعيمها و إما بنكالها، خليق أن يكون عن ساق جده في عبادته مشمرا و أن يجعل وقته على اكتساب طاعات ربه متوفرا، فإنه لا يقصر في العبادة إلا من فقد اليقين و لم يكن من المتقين.
و قد كان علي ((عليه السلام)) منطويا على يقين لا غاية لمداه و لا نهاية لمنتهاه، و قد صرح بذلك تصريحا مبينا فقال ((عليه السلام)): لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، فكانت عبادته إلى الغاية القصوى تبعا ليقينه و طاعته في الذروة العليا لمتانة دينه.
و أما زهده و ورعه فقد شهد له بذلك رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم))، و أخبر أن اللّه (تعالى) حلاه من الزهد بحليته و حباه بزينة بزته و كساه بزة زينته فقال ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) ما رواه الحافظ أبو نعيم (رض) بسنده في حليته: «يا علي إن اللّه قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى اللّه منها، هي زينة الأبرار عند اللّه الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا و لا ترزأ الدنيا منك شيئا» و إذا كان الزهد ثابتا لعلي ((عليه السلام)) فاعلم- أرشدنا اللّه و إياك إلى سواء السبيل-، أن الزهد في الشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشيء المزهود فيه