مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٨٧ - (النوع الثاني) في صفة الدنيا و التحذر منها
فمن ذا يذمها و قد آذنت بانتهائها و نادت بانقضائها و أنذرت ببلائها، فإن راحت بفجعة فقد غدت بمبتغى و إن أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال يوم الندامة و مدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا و ذكرتهم فذكروا، فيا ايها الذام لها المعنى بغرورها متى غرتك أم متى استندمت إليك؟ بمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بدنك و مرضت و أذاقتك شهدا و صبرا؟ فإن ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها و إلا فاطرحها لا حمد و لا ذم، قد مثلت لك نفسك حتى ما يغني عنك بكاؤك و لا يرحمك أخوك.
و قال ((عليه السلام)): ان الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع و ان الآخرة قد أقبلت و آذنت باطلاع، ألا و إن المصمار اليوم و السباق غدا ألا و إن السبقة الجنة و الغاية النار، الا و إنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل [في] أيام مهلة قبل حضور اجله ضره أجله و لم ينفعه عمله. لو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه و نحبه لا حقه فلا تغرنكم الأماني و لا يغرنكم باللّه الغرور، قد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان شيدوا فيها البنيان و وطنوا الأوطان أصبحت أبدانهم في قبورهم هامدة و أنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي يا ليتني أطعت ربي.
و قال ((عليه السلام)): إن الدنيا ليست بدار قرار و لا محل إقامة إنما أنتم فيها كركب عرسوا و ارتاحوا ثم استقلوا فغدوا و راحوا، دخلوها خفافا و ارتحلوا منها ثقالا فلم يجدوا عن مضحى عنها نزوعا و لا إلى ما تركوا بها رجوعا، جدّ بهم فجدوا و ركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى أخذ بكضمهم و خلصوا إلى دار قوم لم يبق من أكثرهم خبر و لا أثر، قل في الدنيا لبثهم و عجل بهم إلى الآخرة بعثهم، فاصبحتم حلولا في ديارهم و ظاعنين على آثارهم و المنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين و لا بطء، نهاركم بأنفسكم دءوب و ليلكم بأرواحكم ذهوب و أنتم تقتفون من حالهم حالا و تحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر