مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ١٩٠ - (النوع الثاني) في صفة الدنيا و التحذر منها
و خيرها بشرها و لم يذكر اللّه (تعالى) شيئا اختصته منها لأحد من أوليائه و أنبيائه و لم يصرفها عن أعدائه، فخيرها زهيد و شرها عتيد و جمعها نفيد و ملكها سليب و عزها يبيد، فالمستمتعون بالدنيا تبكي قلوبهم و إن فرحوا و يشتد مقتهم لأنفسهم و إن اغتبطوا ببعض ما منها رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها و الآخرة باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة إلى الآخرة و الآخرة ملجأ الدنيا و ليس للآخرة منتقل و لا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه و من آثر الدنيا على الآخرة حلت الفاقرة.
و قال ((عليه السلام)): إنما الدنيا دار فناء و عناء و غير و عبر، فمن فنائها أنك ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله يرمي الصحيح بالسقم و الحي بالموت و البريء بالتهم، و من عنائها أنك ترى المرء يجمع ما لا يأكل و يبني ما لا يسكن و يأمل ما لا يدرك، و من غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، و من عبرها أن المرء يسوف عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله.
و قال ((عليه السلام)): اجعل الدنيا شوكا فانظر أين تضع قدمك منها فإن من ركن إليها خذلته و من أنس بها أوحشته و من رغب فيها أوهنته و من انقطع إليها قتلته، و من طلبها أرهقته و من فرح بها اترحته و من طمع فيها صرعته و من قدمها أخرته، و من أكرمها أهانته و من آثرها باعدته من الآخرة و من بعد من الآخرة قرب من النار، فهي دار عقوبة و زوال و فناء و بلاء، نورها ظلمة و عيشها كدر و غنيها فقير و صحيحها سقيم و عزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي و كل مغرور بزينتها مفتون و عند كشف الغطاء يعظم الندم و يحمد الصدر أو يذم.
و قال ((عليه السلام)): يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل و لا يطرف فيه إلا الفاجر و لا يؤتمن فيه إلا الخائن و لا يخون إلا المؤتمن، يتخذون الفيء مغنما و الصدقة مغرما و صلة الرحم منا و العبادة استطالة على الناس و تعديا، و ذلك يكون عند سلطان النساء و مشاورة