قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣١٨ - (الثالث و الستون)
سلمى. قال: فأنشدني ممّا تستجيده له. فقال: إنّه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * * * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان ابوهم حين تنسبهم * * * طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا امنوا جنّ اذا فزعوا * * * مرزّءون بهاليل اذا جهدوا
محسّدون على ما كان من نعم * * * لا ينزع اللّه عنهم ماله حسدوا
فقال عمر: قاتله اللّه لقد أحسن، و لا أرى هذا المدح يصلح إلّا لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول اللّه. فقال ابن عباس: وفّقك اللّه فلم تزل موفّقا. قال: يا ابن عباس أ تدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا. قال: لكني أدري. قال: ما هو؟ قال: كرهت قريش ان تجتمع لكم النبوة و الخلافة فتجحفوا الناس جحفا، فنظرت قريش لا نفسها فاختارت و وفقت فأصابت. فقال ابن عباس أ يميط عني أمير المؤمنين غضبه فيسمع. قال: قل ما تشاء. قال: أمّا قولك «إنّ قريشا كرهت أن تجتمع لكم الخلافة و النبوة» فان اللّه تعالى قال لقوم «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» [١]، و امّا قولك «إنّا نجحف» فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة، و لكنّنا قوم اخلاقهم مشتقة من خلق رسول اللّه الذي قال تعالى له «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [٢] و قال له «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [٣]، و أمّا قولك «إنّ قريشا اختارت» فانّ اللّه تعالى يقول «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» [٤] و قد علمت يا أمير المؤمنين إنّ اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفّقت و أصابت.
فقال عمر: على رسلك يا ابن عباس، أبت قلوبكم يا بنى هاشم إلّا غشّا في أمر قريش لا يزول و حقدا عليها لا يحول. فقال ابن عباس: مهلا يا امير المؤمنين لا تنسب قلوب بنى هاشم الى الغشّ، فانّ قلوبهم من قلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الّذي طهّره اللّه و زكّاه، و هم أهل البيت الّذين قال اللّه تعالى فيهم «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
[١]. سورة محمد: الآية ٩.
[٢]. سورة القلم: الآية ٤.
[٣]. سورة الشعراء: الآية ٢١٥.
[٤]. سورة القصص: الآية ٦٨.