قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٣٥ - (الخامس و الستون)
أهل الشام و هو يسأل أباه عن التمتع بالعمرة الى الحج فقال: هي حلال. فقال الشاميّ: إنّ أباك قد نهى عنها. فقال: أ رأيت إن كان أبي نهى عنها و صنعها النبيّ أمر أبي يتّبع أم أمر النبيّ- الخبر.
ثم لا غرو في تأويلهم له ذلك بعد تأويلهم له منعه الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الوصية و نسبة الهجر إليه، و تأويلهم له تخلفه عن جيش أسامة مع تأكيده (٦) في الخروج فيه و لعنه المتخلف عنه، و قد قال تعالى فى حقّ نبيّه «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى» [١].
و ننقل الامرين من ملل الشهرستاني [٢] منهم، قال: فأوّل تنازع في مرضه ما رواه محمد بن اسماعيل البخاريّ باسناده عن عبد اللّه بن عباس قال: لمّا اشتد بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرضه الذي مات فيه قال: آتوني بدواة و قرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي. فقال عمر: إنّ النبيّ قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه. و كثر اللغط فقال النبيّ: قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع. قال ابن عباس: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بين كتاب رسول اللّه.
قال ابن أبي الحديد: معاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها، و لكنّه أرسله على مقتضى خشونة غريزته، و كان الاحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض، و حاشاه أن يعني بها غير ذلك.
قلت: لا أدري أيّ فرق بين الرجل و بين الّذين كانوا يقولون مشيرين إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «إنّه لمجنون»، و اذا كانت خشونة غريزته عذرا فلا لوم على أبي جهل في خشوناته و غلظاته على النبيّ في أقواله و أفعاله.
و قال الشهرستانيّ في ملله بعد ما مرّ: الخلاف الثاني فى مرضه انّه قال: جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلف عنه. فقال قوم: يجب علينا امتثال امره و اسامة قد برز من المدينة. و قال قوم: قد اشتد مرض النبيّ فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحال هذه فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره.
[١]. سورة النجم: الآية ٣.
[٢]. كتاب «الملل و النحل» تأليف محمد بن عبد الكريم الشهرستاني