قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٢٤٠ - الفصل الثّالث و الاربعون ما قضى
كان لكم أن تحدّوني. فقال عمر لقدامة: لم؟ قال قدامة: قال اللّه عزّ و جلّ «ليس على الذين آمنوا و عملوا الصّالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا و آمنوا و عملوا الصّالحات» فقال عمر: أخطأت التأويل لو اتقيت اللّه اجتنبت ما حرّم اللّه، ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ذا ترون في حدّ قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما كان مريضا. فسكت أياما على ذلك، ثم أصبح يوما و قد عزم على جلده، فقال لاصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟
فقالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضا. فقال عمر: لأن يلقى تحت السياط أحبّ إليّ من أن ألقاه و هو في عنقي، آتوني بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد. فغاضب قدامة عمر و هجره، و حجّ عمر و قدامة معه مغاضبا له، فلمّا قفلا من حجّهما و نزل عمر بالسقيا نام، فلما استيقظ من نومه قال: عجّلوا عليّ بقدامة، فو اللّه لقد أتاني آت في منامي فقال سالم قدامة فانّه أخوك- الخبر.
قلت: قول الجارود في جواب عمر لمّا قال له «لتمسكنّ لسانك أو لأسوءنّك»: يا عمر و الله ما ذلك بالحق يشرب ابن عمّك الخمر و تسوءني. نظير قول المسور بن مخرمة فى يزيد بن معاوية لمّا كان قال المسور إنّ يزيد يشرب الخمر، فبلغه ذلك فكتب الى أمير المدينة أن يجلده الحدّ، فقال المسور- كما في معارف ابن قتيبة:
أ يشربها صرفا بمسك ختامها * * * أبو خالد و يجلد الحدّ مسرر
جعل الجارود قدامة ابن عمّ عمر و إن كان عمر عدويا و قدامة جمحيا، لكون كل منهما قرشيا، مع أنّك عرفت كونهما متصاهرين كابني عمّ.
و هذا الخبر و إن تضمّن انّه قال لقدامة اخطأت فى تأويل الآية، لكن كان ذلك بارشاد أمير المؤمنين (عليه السلام) له كما عرفته من ذاك الخبر.
و رضاه اخيرا بحده كان اضطرارا كما رضي عثمان بحدّ أخيه لأمّه الوليد ابن عقبة اضطرارا كما يأتي فى الخاتمة.
و هنا رضي اضطرارا بحدّ قدامة لأنّ حدّه كان مجرّد جلد، و في زنا المغيرة و كان مفزعه فيما ينوبه منع الشاهد الأخير من الشهادة لأنّ حدّه كان رجما يوجب اعدامه كما يأتي في الخاتمة أيضا.