قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٢٧٣ - الفصل الثالث و الخمسون فيما قضى
و أعطتك رشوة و وعدتك مثلها. فارتاعت المرضعة و قالت: يا ابن عم رسول اللّه هل تعلم الغيب؟ قال: لا يعلم الغيب إلّا اللّه، لكن علّمني ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قالت: خير الكلام الصدق و الامر كما تقول، و الآن إن تأمر أجئك بها. قال: لمّا اعطتك ما اعطتك حوّلت ذلك المنزل فاصبري للأضحى فأحضريها ليعفو اللّه عنك. قالت: سمعا و طاعة فلما حضر الأضحى جاءت المرأة و اخذت الطفل و قبّلته، و قالت: تعالي أعطك ما وعدتك. قالت: لا يسعني بعد تخليتك، و أخذت بإزارها و قالت- و رفعت رأسها الى السماء- يا غياث المستغيثين و يا جار المستجيرين. و جاءت معها الى المسجد.
فلمّا رآها عليّ (عليه السلام) قال: أنت تقصين قصتك أو أنا؟ قالت: بل أنا قال: قولي. قالت: أنا من بنات الانصار قتل أبي عامر بن سعد الخزرجيّ مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ماتت أمي في خلافة أبي بكر و بقيت فريدة، فاستأنست مع جاراتي و كنت يوما مع جماعة من نساء المهاجرين و الانصار اذ جاءت عجوز بيدها سبحة متكئة على عصى و سلّمت و سألت عن اسم أولئك النسوة حتى انتهت بي، فقالت: ما اسمك؟ قلت: جميلة. قالت: بنت من؟
قلت: عامر الانصاري. قالت: لا أب لك. قلت: لا. قالت: تزوجت؟ قلت: لا، فترحمت عليّ و بكت لي و قالت: تريدين امرأة تستأنسين معها و تخدمك و تعينك؟ قلت: نعم. قالت: فها أنا حاضرة اكون لك أما مشفقة. ففرحت و قلت ادخلى .. البيت بيتك و الامر أمرك، و طلبت منّي ماء فتوضأت فأحضرت في الوقت الخبز و اللبن و التمر لطعامها، فلما نظرت إليها بكت بكاء شديدا. قلت: ما هذا البكاء؟ قالت: يا بنتي إنّما طعامى قرص من شعير مع ملح يسير، و بكت مرة أخرى و قالت: ليس هذا أوان طعامي إنمّا طعامي بعد صلاة العشاء، و قامت بالصلاة الى أن فرغت من العشاء فأتيتها بقرص من شعير و مقدار ملح. قالت:
أحضري مقدار رماد. فلمّا اتيتها به خلطته بالملح و أفطرت ثلاث لقمات و قامت الى صلاتها الى طلوع الفجر، فقربت منها و قلت ادعي اللّه لي و دعاؤك لا يردّ. قالت: أنت بنت جميلة و انا أخاف عليك اذا خرجت لحاجة تبقين وحيدة و لا بدّ لك من أنيس، و لو شئت لي بنت عاقلة عالمة عابدة زاهدة و هي اكبر منك أحضرها لك لتكون أنيستك. قلت: لم لا أريد.