قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ١٣٧ - الفصل السّابع عشر ما قضى
فأجراهما في مناقل مجراهما، و قدّر سيرهما في مدارج درجهما ليميّز بين اللّيل و النّهار بهما و ليعلم عدد السّنين و الحساب بمقاديرهما، ثمّ علّق في جوّها فلكها و ناط بها زيتها من خفيّات دراريّها و مصابيح كواكبها، و رمى مسترقي السّمع بثواقب شهبها، و أجراها على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها و مسير سائرها و هبوطها و صعودها و نحوسها و سعودها [١].
نقتصر من شرح قوله (عليه السلام) «و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها و قمرها آية ممحوة من ليلها» بكلام عترته، فانّه منهم أحلى، قال الصادق (عليه السلام) لمفضل بن عمر فيما بيّن له من حكم اللّه تعالى: فكّر يا مفضل في طلوع الشمس و غروبها لاقامة دولتي النهار و الليل، فلو لا طلوعها لبطل امر العالم كلّه، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم و يتصرفون في امورهم، و الدنيا مظلمة عليهم، و لم يكونوا يتهنّئون بالعيش مع فقدهم لذّة النور و روحه، و الاربّ في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره و الزيادة في شرحه. تأمل المنفعة في غروبها، فلو لا غروبها لم يكن للناس هدؤ و لا قرار، مع عظم حاجتهم الى الهدوء و الرّاحة لسكون ابدانهم و جموم حواسّهم، و انبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام، و تنفيذ الغذاء الى الاعضاء.
ثم كان الحرص سيحملهم من مداولة العمل و مطاولته على ما يعظم نكايته في ابدانهم، فانّ كثيرا من الناس لو لا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم، لم يكن لهم هدوء و لا قرار حرصا على الكسب و الجمع و الادّخار.
ثم كانت الارض تحمى بدوام الشمس بضيائها، و يحمى كلّ ما كان عليها من حيوان و نبات، فقدرها اللّه بحكمته و تدبيره تطلع وقتا و تغرب وقتا، بمنزلة سراج يرتفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدءوا و يقروا، فصار النور و الظلمة مع تصادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم و قوامه.
ثم فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس و انحطاطها لاقامة هذه الازمنة الاربعة من السنة
[١]. انظر شرح خطبة «الأشباح» في كتاب «بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للعلّامة المغفور له الشيخ محمد تقى الشوشتري أيضا، ج ١ من ص ١٧٨- ٢١٨.