قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ١٣٨ - الفصل السّابع عشر ما قضى
و ما في ذلك من التدبير و المصلحة: ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر و النبات فيتولّد منها مواد الثمار و يستكثف الهواء فينشأ منه السحاب و المطر و تشد ابدان الحيوان و تقوى، و في الربيع تتحرك و تظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات و تنور الاشجار و يهيج الحيوان للسفاد، و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار و تحلّل فضول الابدان و يجف وجه الارض فيتهيأ للبناء و الأعمال، و في الخريف يصفو الهواء و ترتفع الامراض و تصحّ الابدان و يمتدّ الليل و يمكن فيه بعض الاعمال لطوله و يطيب الهواء فيه، الى مصالح أخرى.
الى أن قال: استدلّ بالقمر ففيه دلالة تستعملها العامة في معرفة الشهور، و لا يقوم عليه حساب السنة، لأن دوره لا يستوفي الازمنة الاربعة و نشو الثمار و تصرفها، و لذلك صارت شهور القمر و سنوه تتخلف عن شهور الشمس و سنيها و صار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة في الشتاء و مرة بالصيف.
فكّر في انارته في ظلمة الليل و الأرب في ذلك، فانّه مع الحاجة الى الظلمة لهدء الحيوان و برد الهواء على النبات لم يكن الصلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها، فلا يمكن فيه شيء من العمل لانّه ربما احتاج الناس إلى العمل فى الليل لضيق الوقت عليهم فى تقصي الاعمال بالنهار أو لشدة الحرّ و افراطه، فيعمل في ضوء القمر أعمالا شتى كحرث الارض و ضرب اللبن و قطع الخشب و ما اشبه ذلك، فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم اذ احتاجوا الى ذلك و أنسا للسائرين، و جعل طلوعه في بعض الليل دون بعض، و نقص مع ذلك من نور الشمس و ضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار، و يمتنعوا من الهدء و القرار فيهلكهم ذلك.
و في تصرف القمر خاصة في مهله و محاقّه و زيادته و نقصانه و كسوفه من التنبيه على قدرة خالقه المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر فيه المعتبرون.
و كذلك نقتصر في شرح قوله (عليه السلام) «من ثبات ثابتها و مسير سائرها» على نقل كلامه (عليه السلام) للمفضل:
فقال (عليه السلام) له: فكّر في النجوم و اختلاف مسيرها، فبعضها لا يفارق مراكزها من