قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ١٨ - الفصل الثّالث في قضاياه
يقدم فيراها قد بلغت مبلغ النّساء فيعجبه جمالها فيزوّجها، فعمدت إليها هي و نسوة معها قد كانت أعدّتهنّ، فأمسكنها لها ثمّ افترعتها باصبعها، فلمّا قدم الرّجل من سفره و صار في منزله دعا الجارية فأبت أن تجيبه استحياء ممّا صارت إليه، فألحّ عليها في الدعاء كلّ ذلك [و هي] تأبى أن تجيبه، فلمّا أكثر عليها قالت له امرأته دعها فانّها تستحيي أن تأتيك من ذنب كانت فعلته- و رمتها بالفجور- فاسترجع الرّجل ثمّ قام إلى الجارية فوبّخها و قال لها: ويحك أ ما علمت ما كنت أصنع بك من الألطاف، و اللّه ما كنت أعدّك إلّا كبعض ولدي أو إخوتي و ان لم تكوني ابنتي، فما دعاك إلى ما صنعت. فقالت له الجارية: أمّا إذ قيل لك ما قيل فو اللّه ما فعلت الّذي رمتني به امرأتك و لقد كذبت عليّ، فانّ القصة كذا و كذا و وصفت له ما صنعت بها امرأته.
فأخذ الرّجل بيد امرأته و يد الجارية فمضى بهما حتّى أجلسهما بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) و أخبره بالقصّة كلّها و أقرّت المرأة بذلك. و كان الحسن (عليه السلام) بين يدي أبيه فقال له أمير المؤمنين: اقض فيها. فقال الحسن نعم على المرأة الحدّ لقذفها الجارية و عليها القيمة لافتراعها. فقال امير المؤمنين صدقت. ثمّ قال: أمّا لو كلّف الجمل الطّحن لفعل.
(الثّانية) روى الكافي في نوادر دياته و التهذيب في أواخر زيادات قضائه عن الباقر (عليه السلام) قال: دخل أمير المؤمنين (عليه السلام) المسجد فاستقبله شابّ يبكي و حوله قوم يسكتونه، فقال له: ما أبكاك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ان شريحا [١] قضى عليّ بقضية ما أدري ما هي، إنّ هؤلاء النّفر خرجوا بأبي معهم في سفر فرجعوا و لم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما ترك مالا. فقدّمتهم الى شريح فاستحلفهم، و قد علمت يا أمير المؤمنين أنّ أبي خرج و معه مال كثير.
فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): ارجعوا، فرجعوا، و الفتى معهم الى شريح، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف قضيت بين هؤلاء؟ فقال: ادّعى هذا الفتى على هؤلاء النّفر
[١]. هو شريح بن الحارث بن قيس الكندي من أشهر القضاة في صدر الإسلام أصله من اليمن (انظره في وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٢٤).