قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٨٥ - الفصل الحادي عشر قضاياه
ما وصل سوده إلّا وصل صارمه * * * أحلّها الدّهر درّا مأكل الوعل
(الثانية) روى المناقب انّه سأل نصرانيان أبا بكر: ما الفرق بين الحبّ و البغض و معدنهما واحد، و ما الفرق بين الحفظ و النسيان و معدنهما واحد، و ما الفرق بين الرؤيا الصادقة و الرؤيا الكاذبة و معدنهما واحد؟
فأشار الى عمر، فلمّا سألاه أشار الى علي (عليه السلام)، فلمّا سألاه عن الحب و البغض قال: إنّ اللّه تعالى خلق الارواح قبل الاجساد بألفي عام، فأسكنها الهواء، فما تعارف هناك ائتلف هنا، و ما تناكر هناك اختلف هاهنا.
ثمّ سألاه عن الحفظ و النسيان؟ فقال: إنّ اللّه تعالى خلق ابن آدم و جعل لقلبه غاشية، فما مرّ بالقلب و الغاشية منفتحة حفظ و أحصى، و ما مرّ بالقلب و الغاشية منطبقة لم يحفظ و لم يحص.
ثم سألاه عن الرؤيا الصّادقة و الرؤيا الكاذبة؟ فقال (عليه السلام): إنّ اللّه تعالى خلق الروح و جعل لها سلطانا فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح و بقى سلطانه فيمر به جيل من الملائكة و جيل من الجن، فما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة و ما كان من الرؤيا الكاذبة فمن الجنّ. فأسلما على يديه و قتلا معه بصفّين.
أقول: قد بين الصّادق (عليه السلام) حكمة جعل اللّه تعالى الحفظ و النسيان في الانسان، فقال: تأمّل يا مفضّل هذه القوى الّتي في النفوس و موقعها من الانسان، أعني الفكر و الوهم و العقل و الحفظ و غير ذلك، أ فرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله، و كم من خلل كان يدخل عليه في أموره و معاشه و تجارته إذا لم يحفظ ماله و ما عليه و ما أخذ و ما أعطى و ما رأى و ما سمع و ما قال و ما قيل له، و لم- يذكر من أحسن إليه ممّن أساءه و ما نفعه ممّا ضرّه، ثمّ كان لا يهتدي الطريق لو سلكه ما لا يحصى و لا يحفظ علما و لو درسه عمره و لا يعتقد دينا و لا ينتفع بتجربة و لا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان خليقا أن ينسلخ من الانسانية. فانظر الى النعمة على الانسان في هذه الخلال، و كيف موقع الواحدة منها دون الجميع.
و أعظم من النعمة على الانسان في الحفظ النعمة في النسيان، فانّه لو لا النسيان لما