قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٨٠ - الفصل الحادي عشر قضاياه
قرب فبعد، و بعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، و يرزقه و يحبوه، ذو لطف خفيّ، و بطش قويّ، و رحمة موسعة، و عقوبة موجعة، رحمته جنّة عريضة مونقة، و عقوبته جحيم ممدودة موبقة.
و شهدت ببعث محمد رسوله، و عبده و صفيّه، و نبيّه و نجيّه، و حبيبه و خليله، بعثه في خير عصر، و حين فترة و كفر، رحمة لعبيده، و منّة لمزيده، ختم به نبوّته، و شيّد به حجّته، فوعظ و نصح، و بلغ و كدح، رءوف بكلّ مؤمن، رحيم سخيّ، رضيّ وليّ زكيّ، عليه رحمة و تسليم، و بركة و تكريم، من ربّ غفور رحيم، قريب مجيب.
وصّيتكم معشر من حضرني بوصيّة ربّكم، و ذكّرتكم بسنّة نبيّكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، و خشية تذري دموعكم، و تقيّة تنجيكم قبل يوم تبليكم و تذهلكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، و خفّ وزن سيئته، و لتكن مسألتكم و تملّقكم مسألة ذلّ و خضوع، و شكر و خشوع، بتوبة و تورّع، و ندم و رجوع، و ليغتنم كلّ مغتنم منكم صحّته قبل سقمه، و شبيبته قبل هرمه، و سعته قبل فقره، و فرغته قبل شغله، و حضره قبل سفره، قبل تكبّر و تهرّم و تسقّم، يملّه طبيبه، و يعرض عنه حبيبه و ينقطع غمده، و يتغيّر عقله، ثم قيل: هو موعوك، و جسمه منهوك، ثمّ جدّ في نزع شديد، و حضره كلّ قريب و بعيد، فشخص بصره، و طمح نظره، و رشح جبينه، و عطف عرينه، و سكن حنينه، و حزنته نفسه، و بكته عرسه، و حفر رمسه، و يتّم منه ولده، و تفرّق منه عدده، و قسم جمعه، و ذهب بصره و سمعه، و مدّد و جرّد، و عرّي و غسل، و نشّف و سجّي، و بسط له و هيّئ، و نشر عليه كفنه، و شدّ منه ذقنه، و قمّص و عمّم، و ودع و سلّم، و حمل فوق سرير و صلّى عليه بتكبير، و نقل من دور مزخرفة، و قصور مشيّدة، و حجر منجّدة، و جعل في ضريح ملحود، و ضيق مرصود، بلبن منضود، مسقّف بجلمود، و هيل عليه حفره، و حثي عليه مدره، و تحقّق حذره، و نسي خبره، و رجع عنه وليّه و صفيّه، و نديمه و نسيبه، و تبدّل به قرينه و حبيبه، فهو حشو قبر، و رهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره، و يسيل صديده من منخره، يسحق تربه لحمه، و ينشّف دمه، و يرمّ عظمه حتّى يوم حشره، فنشر من قبره حين ينفخ في صور، و يدعى بحشر و نشور.