المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٣٧ - تنبيهات
التفسير الثاني و هو أن التزاحم (هو تزاحم الجعلين لأجل التوصل إلى مرتبة الفعلية) بمعنى أنه يوجد حكمان شرعيان مجعولان على نحو القضية الحقيقة موضوعها شروط التكليف و محمولها الحكم و متعلقة مثل (المكلف العاقل القادر يجب عليه إنقاذ الغريق) و (المكلف العاقل القادر يحرم عليه الغصب) و في مرتبة الجعل و لوح التشريع لا تناف بين هذين القانونين لوضوح امكان نقشهما معا في اللوح التشريعي. هذا من جهة.
و من جهة أخرى لو فرض بسبب خاص توقف الانقاذ على الغصب فهنا يكون المكلف قادرا إما على ترك الغصب دون فعل الانقاذ. و إما على فعل الانقاذ دون ترك الغصب.
و من جهة ثالثة قد عرفت أن الحكم الشرعي لا يصير فعليا إلا عند تحقق موضوعه بكافة شروطه و منها شرط القدرة.
و على هذا فإما أن نحول قدرة المكلف إلى الانقاذ فيكون المكلف قادرا على الانقاذ عاجزا عن الغصب فيتحقق موضوع الحكم الأول فيصير فعليا و ينتفي موضوع الحكم الثاني فلا يصير فعليا.
و إما أن نحول قدرة المكلف إلى ترك الغصب فيكون المكلف قادرا عليه و عاجزا عن الانقاذ فيتحقق موضوع الحكم الثاني و ينتفي موضوع الحكم الأول أي الانقاذ، و من هنا كان أحد الموضوعين متحققا و الآخر منتفيا لا محالة.
و هذا معنى (تزاحم الحكمين الجعلين لأجل التوصل إلى مرتبة الفعلية) فتحصل أن تحقق التزاحم على هذا التفسير يتوقف على تحقق أمور.
الأول وجود الجعلين أي القانونين الشرعيين المنقوشين في الشريعة على نحو القضية الحقيقية.
الثاني أن يكون موضوع كل من الحكمين مشروطا بقدرة المكلف على الامتثال أي الاتيان بالمتعلق.
الثالث أن نبني على أن فعلية الحكم متوقفة على تحقق موضوع الحكم بكافة شروطه.