المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٧٦ - المبحث الأول- النهي عن العبادة
أما في الحالة الثانية فالمشهور التسالم على أن العلم بالحرمة مانع من قصد القربة. و هو كذلك بالوجدان فإن من علم أن قتل النبي من المحرمات لا يمكنه أن يقتله بقصد التقرب اليه.
و لكن الانصاف أن هذه القاعدة لا تصح على إطلاقها بل هي مختصة بما إذا كان العمل محرما رأسا على عقب.
و أما إذا كان له جهتان جهة حسنة و جهة سيئة أمكن التقرب إلى اللّه تعالى بقصد الجهة الحسنة أ لا ترى أنك لو كنت في أرض مغصوبة و أخبرك المعصوم أن صلاتك في الأرض المغصوبة لها أجر و ثواب و تقرب من اللّه تعالى و توجب رضوانه فإنك تندفع إلى الصلاة بقصد القربة مع علمك بحرمة الغصب و هكذا من يشرب الخمر و يعلم أن الشرب بهذه الطريقة له ثواب فإنه يمكنه قصد القربة بالشرب بتلك الطريقة.
فالحاصل أن الأعمال ثلاثة أقسام.
الأول أعمال متمحضة في الحرمة كقتل النبي و نحو ذلك.
الثاني أعمال لها حيثية حسن و حيثية سوء لكن تكون الحيثيتان في الذهن في عرض واحد بمعنى أن الذهن يرى أنه ينبعث نحوهما في عرض واحد بحيث أنه لو لم ينبعث نحو الأولى لم ينبعث نحو الثانية كما لو فرض أن المسجد كلما يبقى فيه ينام و فرض أن النوم في المسجد حرام فهنا يكون النوم و البقاء عند الذهن في عرض واحد.
و يمكن أن نعبر عن هذا القسم بعبارة أخرى و هي أن نفرض أن المحرم لا ينفك عن العبادة بحسب اختيار المكلف بحيث أنه لو لم يفعل العبادة لا يفعل المحرم فيكون عنده أن انبعاثه نحو العبادة هو عين انبعاثه نحو المحرم.
القسم الثالث أعمال لها حيثية حسن و حيثية سوء و لكن فرض أن الانسان واقع في المحرم على كل حال أي سواء فعل العبادة أو لم يفعلها كالجالس في الأرض المغصوبة مصرا على الجلوس فيها فإما أن يصلي على تلك الحال و إما أن لا يصلي.